فيلم "إن شئت كما في السماء" - للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان

تجسيد سينمائي لتلاشي اسم فلسطين عن خرائط الجغرافيا وأجندات الدول

تلاشي اسم فلسطين عن الخرائط الجغرافية واضمحلال وجوده في الأجندات الدولية دفع المخرج الفلسطيني إيليا سليمان من مدينة الناصرة إلى الرد على ذلك من خلال فيلمه "إن شئت كما في السماء" بالطريقة الوحيدة الممكنة: أي بلغة بصرية طريفة دالة على عبثية الحال ولامعقولية هذه المسألة. الصحفي الألماني شتيفان بوخن شاهد هذا الفيلم ويحلله لموقع قنطرة.

ذات مرة تحدَّث أحد فلاسفة عصرنا الحديث عن استحالة أن يصف واصفٌ خبايا الأحداث والآليات الدائرة في أحد الأماكن بدقة إنْ لم يكن هذا الواصف بنفسه موجودا داخل هذا المكان نفسه، لكن هذا الفيلسوف -وهو الألماني تيودور أدورنو- ربما يكون قد أغفل إمكانيات السينما القادرة على تحقيق ذلك.

فها نحن نرى شخصية فيلم المخرج الفلسطيني إيليا سليمان تأخذ موقعها خارج مكان الأحداث بحكم أن هذه الشخصية قد غادرت في الواقع هذا المكان الذي تشعر أنها كانت في الماضي جزءًا لا يتجزأ منه. ولكن واقع الحال هو أن هذا المكان قد لَفَظَ هذه الشخصية بعيداً إلى الخارج، إنْ جاز التعبير، وبالتالي بات على الشخصية مراقبة ما يدور في المكان فقط من الخارج.

الإخراج السينمائي قادر على تصوير مثل هذه الأحداث كما في مَشاهد فيلم "إن شئت كما في السماء". فالمخرج الفلسطيني إيليا سليمان موجود شخصياً في الفيلم -حتى بحضوره البصري الكبير الواضح- ومع ذلك فهو بعيد خارج الأحداث لا يتكلم، بل يسمع فقط ما يقوله الآخرون، ورغم أنه -كما يبدو- يدرك كلامهم غير أن ثمة بعض الشك في إرادته الإصغاء إليهم.

ولذلك من المستبعد على المخرج إيليا سليمان -الذي يقوم بدور شخصية الفيلم الصامتة- أن يصف خبايا الأحداث بدقة، وهو في دور شخصية صامتة تجعلنا كمشاهدين وكأننا جزء من كامل الفيلم.

تلاشي فلسطين التدريجي

ما خفي من الأحداث هو تلاشي فلسطين التدريجي واختفاؤها من أرض الواقع، ولذلك ها هو المخرج يمنح بهذا الفيلم جزءاً ثانياً لباكورة أعماله، أي لأول أفلامه "سجل اختفاء" العائد إلى عام 1996.

 

 

يبدأ فيلمه "إن شئت كما في السماء" بمشهد قسّ بلحية فخمة وبزيّه الديني الأكثر فخامة ويحمل صولجاناً، يتبعه مؤمنون من طائفته يردِّدون الترانيم وهم متَّجهون إلى الكنيسة، في مشهد لا بدّ وأنه احتفال بعيد الميلاد أو عيد الفصح (عيد القيامة). يشترط في هذه الطقوس أن يتم فتح باب الكنيسة من الداخل -وكأنَّ يدًا خفية تفتحه- حتى يدخل إلى الكنيسة المؤمنون والقسّ، الذي يقول: "ارتفعي أيتها الأبواب الدهرية ليدخل ملك المجد". غير أنَّ هذا لا يحدث، لأنَّ الأشخاص المُكلَّفين بفتح الباب من الداخل لا يفعلون ذلك. وهكذا تتوقَّف الطقوس.

بين لحظة وأخرى يترك القسّ كلَّ هذه الطقوس الاحتفالية ويصرخ بغضب: "افتح الباب، يا …". يُسمع من الداخل صوت صبي يقول للقسّ: "أبونا، لو نزل الله مش فاتحين". يفتح القسُّ الباب من الخلف ويدخل الكنيسة وهو يكيل الشتائم ونسمعه كيف يضرب الصبي العنيد في داخل الكنيسة.

مشهد افتتاحي يبدو ألاَّ علاقة له بالمشهد التالي في الفيلم ما عدا أنَّ موقع الحدث هو نفسه كما في البداية، في مكان من الجائز أنه مدينة الناصرة. في الفيلم حلقات أحداث قصيرة متسلسلة تلاحق فيها كل حلقة الحلقة التالية، والعنصر الرابط شكليًا بينها هو وجود إيليا سليمان المتلاشي بازدياد.

يروي له صيَّاد كيف أسقَطَ نسرًا حائمًا كان على وشك الانقضاض على أفعى، مضيفاً بأنَّ هذه الأفعى قد شكرته في وقت لاحق من خلال نفخها إطار سيارته المثقوب وتعبتئه بالهواء من جديد. يقول الصيَّاد إنَّه رأى تنفسها العميق وهي تنفخ الإطار، في حين لا تكشف تعابير وجه المستمع إيليا سليمان عن الكثير، بل إن أكثر ما تكشفه هو أن إيليا سليمان لا يعتقد إلى حد ما باستحالة هذه الرواية.

نضال من أجل طعم الوطن

نشاهد شابة جذَّابة تجلس في مطعم تأكل طبق دجاج فلسطيني، وعلى نفس الطاولة يجلس معها رجلان (شقيقاها) يشربان الويسكي بشكل متزامن. تشكو الشابة لصاحب المطعم من أنَّ الصلصة حامضة جدًا، فيقول صاحب المطعم إن سبب الحموضة وأصلها من النبيذ الأبيض، وبالتالي يتوتَّر الوضع في تناقض صارخ بين الاستياء من وجود خمر -مُخْتَفٍ ولكنه طبيعي في طبق الشابة- وبين عدم اكتراث الرجلين لبلع الويسكي المحتوي على نسبة كحول عالية.

 

 

يراقب ذلك إيليا سليمان وهو يجلس منعزلًا وحده في المطعم ويشرب العرق، وهو خمرٌ فلسطيني مُقطَّر بطعم اليانسون مخَفَّفٌ بالثلج. يشعر المشاهد أنَّ إيليا سليمان مُتَحالف في السرّ مع صاحب المطعم، ويناضل معه من أجل الطعم الجيِّد: طعم الوطن.

فلسطين امرأة شابة، شابة جميلة بطبيعة الحال، شعرها أسمر طويل، تتجول بالطبع في بستان زيتون مُشمس، ورغم أنَّها تبدو مثل حورية سحرية لكن إيليا سليمان يمكنه رؤيتها بوضوح عبر فروع الشجر. كان يُخشى من أن يتم اختطافها من قِبَل جنديين إسرائيليين، فتجد الشابة نفسها معصوبة العينين داخل سيارة الشرطيين تتوسط المقعد الخلفي وإيليا سليمان لا يستطيع إنقاذ المرأة الحبيسة.

يرحل إيليا سليمان عن فلسطين، وتنعطف الطائرة في مسارها وتهتز في حركتها تاركةً الساحل خلفها، ولا يلاحظ ركاب الطائرة الآخرون أي شيء من ذلك.

في دائرة العبث

يتحرَّك الفيلم في دائرة العبثية، التي تعيش على الطرافة الكوميدية. وباريس منفى جيِّد من أجل هذا الغرض، حيث تندمج شخصية الفيلم والمخرج. وفي باريس، يبدأ إيليا سليمان في سرد قصة فلسطين سينمائيًا. لكن صناعة السينما الغربية تنتظر منه شيئًا غير سياسي وغير مألوف، نلاحظ ذلك من أحد الملصقات الموجودة في مكتب المنتج السينمائي، فعلى الملصق مكتوب: "نوروز"، وهو فيلم فارسي لحسن الحظّ لم يتم في الواقع تصويره قَطّ.

تمتاز لغة إيليا سليمان البصرية بقوَّتها الساحقة. ولكن هذا الفيلم لا يناسب المشاهدين الألمان محبي المسلسلات البوليسية المألوفة. ولذلك أنصح كلَّ من يشترون الزيتون من السوبرماركت هنا في ألمانيا -ممن يُحبُّون أكل الزيتون من دون طعم- بأن يتجنَّبوا مشاهدة هذا الفيلم.

 

 

عنوانه العربي هو "إن شئت كما في السماء" (العنوان الإنكليزي: لا بد أن تكون الجنة). لقد تم تغيير اسم الفيلم من أجل السوق الألمانية، ليصبح في ترجمته الألمانية: "عن سقاية شجرة الليمون". وهذه ترجمة سيِّئة للغاية لأنَّها تضفي عليه طابعًا رومانسيًا خاليًا من كل إلهام، ولكن ليس بإمكانها لحسن الحظّ الإضرار بالأصل.

في نيويورك، التي تشكِّل المحطة الثانية من غربة إيليا سليمان، يسأله ناقدٌ يبدو مخمورًا قليلًا إن كان هو الأجنبي "الغريب المثالي"، فيبقى إيليا سليمان كعادته الدائمة في الفيلم من دون أن يجيب، لكن فالجواب موجود في كامل القصة، قصة ليس فيها ما يمكن أن يكون كاملًا أو تامًا، ولا حتى الغُرْبَة نفسها، بعد أن تحطَّمت أشياء كثيرة جدًا. يقول له رفيقٌ فلسطيني مغترب في نيويورك وهو يشرب معه كأسًا من العرق: "نحن الفلسطينيين غريبون، العالم كله يسكر لينسى، لكننا الشعب الوحيد الذي يسكر ليتذكَّر"، غير أن إيليا سليمان سيعلم بعد ذلك أنَّ هذا القول غير صحيح إلى حد ما.

صرخة من أجل الخلاص

العبثية والطرافة القصوى يولدان ألماً فظّـًا، وهكذا يحقُّق هذا العمل عظمته الحقيقية، فالألم يصرخ من أجل الخلاص، ونظراً لأنَّ الإصلاح الضروري لما تحطَّم يبدو أمرًا مستحيلًا للغاية فيجب ربط الخلاص بالرغبة غير المنطقية في إبطال ما حدث وكأنَّه لم يحدث.

بعدما وضعت الأمم المتَّحدة خطة تقسيم فلسطين في عام 1947، عبَّر شخصٌ معاصر عن رغبته في أن تكون الأمم المتَّحدة قد اتَّخذت هنا ما قال إنه موقف الملك النبي سليمان، الذي قدَّم اقتراح تقسيم جسد طفل رضيع إلى نصفين فقط من أجل حمل الطرفين المتنازعين (المرأتين المتنازعتين على أمومة الطفل) على إيجاد حلّ آخر يحافظ على الكلّ.

يرفرف خلال الفيلم ملاكٌ يحمل مثل هذه الرغبات الواقعة خارج التأريخ على جناحيه، ويهبط في حديقة نيويورك المركزية "سنترال بارك" بمدينة نيويورك الأمريكية ويصبح عرضة لخطر إسقاطه من قِبَل شرطة نيويورك. في هذا الملاك -إذا نظرنا إليه من بعيد- بعض التشابه مع سيِّدة فلسطين. وحين تمكَّن أخيرًا رجالُ الشرطة من إنزال الملاك إلى الأرض وقلبوا جناحيه الأبيضين كبياض الثلج، اختفى الجسد تحتهما.
 

إعلان لفيلم "إن شئت كما في السماء" - للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان.
"لا يمكن أن يكون هناك شكّ في عدم وجود جواب أفضل على "صفقة القرن" من سينما إيليا سليمان الدالة على العبثية. ولذلك يجب على فلسطين أن ترسل نسخةً من الفيلم إلى البيت الأبيض ونسخة أخرى إلى وزارة الخارجية الأمريكية. إذ إنَّ من يديرون هاتين المؤسستين في عهد ترامب لا يستحقُّون إلا جوابًا لا يفهمونه"، كما يكتب شتيفان بوخن.

 

يوضح الفيلم أنَّ كلَّ هذا الحنين إلى الخلاص لا معنى له من دون معجزات يسوع عيسى المسيح الناصري الحقيقية. يتوجب على إيليا سليمان العودة إلى فلسطين في النهاية، بعد أن كان شخص ما ربما قد حجز من أجله كرسيًا وكأسًا على مائدة في فلسطين.

لا يستطيع موظف الأمن الأمريكي في المطار إيقافه في طريق عودته. يأخذ إيليا سليمان بلطف من يد الموظف جهاز الكشف عن المعادن. يرتفع الجهاز في الهواء من تلقاء نفسه ويقوم بأداء رقصة أنيقة قصيرة فوق الرؤوس قبل أن يهبط مرة أخرى في يدّ بطل الفيلم. يُعيد الجهاز لموظف الأمن المذهول ويعبر من دون أي تفتيش.

العنف ليس خيارًا

يتنبأ المشاهد بأنَّ العنف ليس خيارًا في هذا الفيلم. لكن فقط أثناء مشيه بمفرده في شارع يمكن أن يكون في الناصرة، أو حتى في الخليل أو بيت لحم أو طولكرم، يسمع إيليا سليمان خطوات خلفه. ستة شباب أجسامهم رياضية وقصات شعرهم عصرية، يعبُرون من جانبه في الشارع وهم مسلحون بالحجارة والعصي. عند مفترق طرق، ينقسمون إلى ثلاث مجموعات صغيرة. ولا يستطيع المشاهد إلا أن يُخمِّن فقط مَنْ هو المستهدَف بهذا الهجوم الثلاثي.

لا توجد في الفيلم ذكريات أكثر من ذلك عن الانتفاضة، والدعوة لانتفاضة ثالثة ستبدو بالتأكيد مختلفة. لقد غزا الشيبُ رأس إيليا سليمان منذ فيلمه "سجل اختفاء" وأصبح شعره رمادي اللون. في المشهد الأخير، يجلس على البار في نادٍ للرقص. بهدوء يراقب إيليا سليمان المتقدِّم في السنّ مجموعةً من شباب وفتيات يرقصون بمرح.

هذا ليس عالمه، إنَّه غريب. ينظر إيليا سليمان إلى هذا المشهد الراقص الطافح بالنشاط الجامح نظرةً خالية من العتاب أو الاستياء. نلاحظ في عينيه على الأرجح بصيصًا من الأمل: هل يمكن لهذا الجيل أن يأتي بشيء جديد وأفضل؟ من الواضح على أية حال أنَّ هذا الرجل الجليل لا يعترض على رقصهم.

أعطى البيتُ الأبيض القيادةَ الفلسطينية أربعة أعوام من أجل التفكير في خطة دونالد ترامب وجاريد كوشنر المعروفة باسم "صفقة القرن". عندما كتب إيليا سليمان سيناريو فيلمه "إن شئت كما في السماء"، لم يكن بإمكانه معرفة هذه "الخطة"، التي لم يشارك في وضعها أي فلسطيني.

ومع ذلك، لا يمكن أن يكون هناك شكّ في عدم وجود جواب أفضل على هذه "الخطة" من سينما إيليا سليمان الدالة على العبثية. ولذلك يجب على فلسطين أن ترسل نسخةً من الفيلم إلى البيت الأبيض ونسخة أخرى إلى وزارة الخارجية الأمريكية. إذ إنَّ من يديرون هاتين المؤسستين في عهد ترامب لا يستحقُّون إلا جوابًا لا يفهمونه.

 

شتيفان بوخن

ترجمة: رائد الباش / ع.م

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

 
 
الكاتب شتيفان بوخن يعمل صحفيًا تلفزيونيًا لبرنامج بانوراما لدى القناة الأولى الألمانية أيه آر دي ARD. دَرَسَ اللغة العربية وآدابها في جامعة تل أبيب.

 

 
 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة