في نيويورك، التي تشكِّل المحطة الثانية من غربة إيليا سليمان، يسأله ناقدٌ يبدو مخمورًا قليلًا إن كان هو الأجنبي "الغريب المثالي"، فيبقى إيليا سليمان كعادته الدائمة في الفيلم من دون أن يجيب، لكن فالجواب موجود في كامل القصة، قصة ليس فيها ما يمكن أن يكون كاملًا أو تامًا، ولا حتى الغُرْبَة نفسها، بعد أن تحطَّمت أشياء كثيرة جدًا. يقول له رفيقٌ فلسطيني مغترب في نيويورك وهو يشرب معه كأسًا من العرق: "نحن الفلسطينيين غريبون، العالم كله يسكر لينسى، لكننا الشعب الوحيد الذي يسكر ليتذكَّر"، غير أن إيليا سليمان سيعلم بعد ذلك أنَّ هذا القول غير صحيح إلى حد ما.

صرخة من أجل الخلاص

العبثية والطرافة القصوى يولدان ألماً فظّـًا، وهكذا يحقُّق هذا العمل عظمته الحقيقية، فالألم يصرخ من أجل الخلاص، ونظراً لأنَّ الإصلاح الضروري لما تحطَّم يبدو أمرًا مستحيلًا للغاية فيجب ربط الخلاص بالرغبة غير المنطقية في إبطال ما حدث وكأنَّه لم يحدث.

بعدما وضعت الأمم المتَّحدة خطة تقسيم فلسطين في عام 1947، عبَّر شخصٌ معاصر عن رغبته في أن تكون الأمم المتَّحدة قد اتَّخذت هنا ما قال إنه موقف الملك النبي سليمان، الذي قدَّم اقتراح تقسيم جسد طفل رضيع إلى نصفين فقط من أجل حمل الطرفين المتنازعين (المرأتين المتنازعتين على أمومة الطفل) على إيجاد حلّ آخر يحافظ على الكلّ.

يرفرف خلال الفيلم ملاكٌ يحمل مثل هذه الرغبات الواقعة خارج التأريخ على جناحيه، ويهبط في حديقة نيويورك المركزية "سنترال بارك" بمدينة نيويورك الأمريكية ويصبح عرضة لخطر إسقاطه من قِبَل شرطة نيويورك. في هذا الملاك -إذا نظرنا إليه من بعيد- بعض التشابه مع سيِّدة فلسطين. وحين تمكَّن أخيرًا رجالُ الشرطة من إنزال الملاك إلى الأرض وقلبوا جناحيه الأبيضين كبياض الثلج، اختفى الجسد تحتهما.
 

إعلان لفيلم "إن شئت كما في السماء" - للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان.
"لا يمكن أن يكون هناك شكّ في عدم وجود جواب أفضل على "صفقة القرن" من سينما إيليا سليمان الدالة على العبثية. ولذلك يجب على فلسطين أن ترسل نسخةً من الفيلم إلى البيت الأبيض ونسخة أخرى إلى وزارة الخارجية الأمريكية. إذ إنَّ من يديرون هاتين المؤسستين في عهد ترامب لا يستحقُّون إلا جوابًا لا يفهمونه"، كما يكتب شتيفان بوخن.

 

يوضح الفيلم أنَّ كلَّ هذا الحنين إلى الخلاص لا معنى له من دون معجزات يسوع عيسى المسيح الناصري الحقيقية. يتوجب على إيليا سليمان العودة إلى فلسطين في النهاية، بعد أن كان شخص ما ربما قد حجز من أجله كرسيًا وكأسًا على مائدة في فلسطين.

لا يستطيع موظف الأمن الأمريكي في المطار إيقافه في طريق عودته. يأخذ إيليا سليمان بلطف من يد الموظف جهاز الكشف عن المعادن. يرتفع الجهاز في الهواء من تلقاء نفسه ويقوم بأداء رقصة أنيقة قصيرة فوق الرؤوس قبل أن يهبط مرة أخرى في يدّ بطل الفيلم. يُعيد الجهاز لموظف الأمن المذهول ويعبر من دون أي تفتيش.

العنف ليس خيارًا

يتنبأ المشاهد بأنَّ العنف ليس خيارًا في هذا الفيلم. لكن فقط أثناء مشيه بمفرده في شارع يمكن أن يكون في الناصرة، أو حتى في الخليل أو بيت لحم أو طولكرم، يسمع إيليا سليمان خطوات خلفه. ستة شباب أجسامهم رياضية وقصات شعرهم عصرية، يعبُرون من جانبه في الشارع وهم مسلحون بالحجارة والعصي. عند مفترق طرق، ينقسمون إلى ثلاث مجموعات صغيرة. ولا يستطيع المشاهد إلا أن يُخمِّن فقط مَنْ هو المستهدَف بهذا الهجوم الثلاثي.

لا توجد في الفيلم ذكريات أكثر من ذلك عن الانتفاضة، والدعوة لانتفاضة ثالثة ستبدو بالتأكيد مختلفة. لقد غزا الشيبُ رأس إيليا سليمان منذ فيلمه "سجل اختفاء" وأصبح شعره رمادي اللون. في المشهد الأخير، يجلس على البار في نادٍ للرقص. بهدوء يراقب إيليا سليمان المتقدِّم في السنّ مجموعةً من شباب وفتيات يرقصون بمرح.

هذا ليس عالمه، إنَّه غريب. ينظر إيليا سليمان إلى هذا المشهد الراقص الطافح بالنشاط الجامح نظرةً خالية من العتاب أو الاستياء. نلاحظ في عينيه على الأرجح بصيصًا من الأمل: هل يمكن لهذا الجيل أن يأتي بشيء جديد وأفضل؟ من الواضح على أية حال أنَّ هذا الرجل الجليل لا يعترض على رقصهم.

أعطى البيتُ الأبيض القيادةَ الفلسطينية أربعة أعوام من أجل التفكير في خطة دونالد ترامب وجاريد كوشنر المعروفة باسم "صفقة القرن". عندما كتب إيليا سليمان سيناريو فيلمه "إن شئت كما في السماء"، لم يكن بإمكانه معرفة هذه "الخطة"، التي لم يشارك في وضعها أي فلسطيني.

ومع ذلك، لا يمكن أن يكون هناك شكّ في عدم وجود جواب أفضل على هذه "الخطة" من سينما إيليا سليمان الدالة على العبثية. ولذلك يجب على فلسطين أن ترسل نسخةً من الفيلم إلى البيت الأبيض ونسخة أخرى إلى وزارة الخارجية الأمريكية. إذ إنَّ من يديرون هاتين المؤسستين في عهد ترامب لا يستحقُّون إلا جوابًا لا يفهمونه.

 

شتيفان بوخن

ترجمة: رائد الباش / ع.م

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

 
 
الكاتب شتيفان بوخن يعمل صحفيًا تلفزيونيًا لبرنامج بانوراما لدى القناة الأولى الألمانية أيه آر دي ARD. دَرَسَ اللغة العربية وآدابها في جامعة تل أبيب.

 

 
 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة