رائد بطل "صبي من الجنة" الذي جسده الممثل الفلسطيني توفيق برهوم.

فيلم "صبي من الجنة"
الأزهر ديراً كاثوليكياً...والإمام الأكبر دالاي لاما

يقدم فيلم "صبي من الجنة" نموذجاً مثالياً لفيلم هجين تتداخل فيه عناصر ثقافية بشكل تلفيقي وعشوائي، ويظهر فيه تأثر بعدد من القوالب الجاهزة والراسخة في الثقافة الجماهيرية العالمية.

في أحد العروض الأولى لفيلم "صبي من الجنة" (2022)، يسأل المخرج السويدي المصري، طارق صالح، جمهوره، إن كان هناك بينهم مَن يتحدث العربية؟ وعلى وقع الأيدي المرفوعة بين الحضور، يعتذر صالح عن عدم دقة أداء الممثلين للهجة المصرية في الفيلم، فحرمانه من العمل في مصر منذ عرض فيلمه "حادثة النيل هيلتون" العام 2015، جعل من خياراته بخصوص طاقم العمل ومواقع التصوير مهمة مضنية.

يلجأ صالح إلى الاستعانة بممثلين من دول عربية مختلفة وآخرين من أصول عربية في المهجر، يتفاوت إتقان بعضهم للهجة المصرية أو تعثرهم فيها، ويظهر أن القليل منهم يجد مشقة في الحديث بالعربية عموماً.

تدور أحداث الفيلم حول آدم المتحدر من عائلة صيادين من المنزلة، ليلتحق بالدراسة الدينية في الأزهر، ويصادف وصوله إلى القاهرة مع وفاة الأمام الأكبر، ما يفجر صراعاً على خلافته داخل أروقة المؤسسة الروحية العريقة. لا تتلجلج اللهجة وحدها، بل والصورة أيضاً، فعلى الرغم من أنها أقوى عناصر الفيلم، تظل محاولة تقليد غير ناجحة تماماً. فساحات الأزهر وأروقته، التي تشكل خلفية مشاهد تخطف الأنفاس، يمكن للعين الملمّة قليلاً أن تتبين أن عماراتها لا تمت بصِلة إلى العمارة الفاطمية، وسرعان ما يكون واضحاً أن القباب الصغيرة المحيطة بساحة الجامع الفسيح، هي قباب عثمانية، لواحد من مساجد إسطنبول الكبيرة.

هوس وجهل بالإسلام في الغرب 

في أحد تصريحاته الإعلامية، يقول مخرج الفيلم، إن الغرب يخاف من الإسلام لكنه لا يعرف عنه الكثير. وإذ يوحي ذلك التصريح بأن "صبي من الجنة" معنيّ بتعويض ذلك الجهل، فإن الفيلم الحاصل على إحدى سعفات مهرجان "كان" لهذا العام، مدين بجائزته لهذا الجهل.

 

 

بالطبع يمكن تلمس العذر لمنتجي الفيلم في ما يخص اللهجة ومواقع التصوير، فحتى وإن توافرت حلول تقنية عديدة لتجاوز هذا النوع من عقبات ظروف الإنتاج، فعامل الكلفة ربما كان حاسماً هنا. إلا أن ما لا يمكن تفهمه، هو عشرات التفاصيل الأخرى المشوشة، والتي لا تنم عن جهل بقدر ما توحي بكسل أقرب إلى الاستهانة.

فلماذا لا يظهر زي رجال الشرطة والجيش المصريين على النحو الصحيح؟ وعمائم رجال الأزهر لماذا تستطيل لضعف أبعادها المميزة بتقشفها؟ وكيف للِحاهم المفترض بهم أن تكون قصيرة بحسب التقليد الأزهري أن تصل إلى منتصف الصدر؟ وبأي طريقة تسللت لقطة من أعلى، لحشود تصلي بالزي الملاوي المميز، وملامح الوجوه الجنوب شرق آسيوية، لتتوسط سلسلة من مشاهد الصلاة في القاهرة؟

من قال إن تفكيك الاستشراق لا يمكنه أن يكون استشراقياً أكثر من موضوع تفكيكه

يقع فيلم طارق صالح في مساحة تصنيف مراوغة، فعلى خلاف الأفلام "الاستشراقية" الأقدم، وبالأخص في صيغتها الهوليوودية، يوحي "صبي من الجنة" بقدر من الأصالة المحلية، بحكم الأصول المصرية لمخرجه، وجنسيات طاقم التمثيل، واللغة العربية التي لا تعود صماء بل تصير لغة الفيلم الوحيدة المنطوقة من أوله الى آخره. وكذا بفضل مسارات الحبكة، تلك التي لا تتعامل مع الإسلام بوصفه مشكلة، بل على العكس تقدّم السلطة السياسية على أنها العنصر المفسد للدين ومؤسساته.

يتصوّر الفيلم معركة درامية تاريخية وطويلة بين السلطة ومؤسسة الأزهر، تدور حول استقلالية الأخيرة، وبقدر ما في ذلك التصور من توهّم مضلّل، فإنه يخدم أغراضاً "ضد-استشراقية" حسنة النية، وذات دلالات آنية تدين تغوّل السلطة القمعية لنظام عبد الفتاح السيسي، وتجد بعض دوافعها في الواقع السياسي. لكن، من قال إن تفكيك الاستشراق لا يمكنه أن يكون استشراقياً أكثر من موضوع تفكيكه، فيغدو استشراقاً مضاعفاً أو استشراقاً على الاستشراق؟!

في حوار كاشف لمخرج الفيلم، يقول إن فكرة عمله خطرت له وهو يعيد قرأ رواية "اسم الوردة" للكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو، وطرح على نفسه السؤال: "ماذا لو سردت قصة من هذا النوع في سياق إسلامي؟".. بجلاء يمكن تبين تلك العلاقة من المَشاهد الأولى، وبالأخص في مشهد يقوم فيه رجال أمن، بزي مدني، بقتل أحد طلبة الأزهر بالسيوف في صحن الجامع. الظلمة الليلية المخيمة ومشاهد الممرات الضيقة لجريمة القتل وزوايا الرؤية المتلصصة، تقتبس أجواء "اسم الوردة" القروسطية. يلوي صالح الأحداث لتناسب قالب الدير الكاثوليكي للرواية، أو ربما هو يلفق دراما القرون الوسطى الأوروبية داخل "السياق الإسلامي"، وعَرَضاً يتطابق هذا مع الخيال الاستشراقي، حيث يكون الشرق المعاصر صورة متأخرة للغرب في تخلف الماضي.

مع هذا، يقدم الفيلم خبرة بصرية استثنائية، بمشاهد شديدة الإبهار توظف تقاطعات عناصر العمارة الإسلامية مع حركة حشود الطلاب المعمّمين، بزيهم شبه الموحد، وتفسر تلك المَشاهد طرائق عمل السلطة على الأجساد ومجال حركتها، بأكثر الطرق ضمنية وجمالية.

أما إيقاع الأحداث المتلاحق، وتفاوت سرعاته لفرض أجواء من الترقب المشوق، فيظل منضبطاً حتى الربع الأخير من الفيلم، قبل أن تترهل حبكته قليلاً نحو نهايته. ويلعب الفلسطيني توفيق برهوم، دور البطولة، مؤدياً شخصية آدم بإتقان مدهش، محوره تفاصيل لغة جسدية ونبرة صوت تتجسد فيها الهشاشة، لتكشف عن مسارات إفساد السلطة للفرد وتحويله إلى أداة داخل منظومة للوشاية والخيانات التي تأكل نفسها باستمرار.

يقدم "صبي من الجنة" نموذجاً مثالياً لفيلم هجين تتداخل فيه عناصر ثقافية بشكل تلفيقي وعشوائي، ويظهر فيه تأثر بعدد من القوالب الجاهزة والراسخة في الثقافة الجماهيرية العالمية. فتظهر دراما المواجهات بين طلبة الأزهر على موائد كافتيريا الجامعة، وكأنها نسخ مقلّدة، لكن متقنة، من أفلام "السجن" الأميركية.

ويذكرنا مشهد انتخاب الإمام الأكبر، مع وضع أوراق التصويت في إناء فخاري بشعائرية الطقوس الفاتيكانية، بفيلم "البابوان" لفيرناندوا ميرليس.

وفي أحيان كثيرة، تتماهى البنية البصرية لحركة جماعات الطلبة في الساحات المنبسطة للجامع الكبير، بتركيبات مارتن سكورسيزي فيلم "كوندون" عن الدالاي لاما (القائد الديني الأعلى للبوذيين في التيبت). ولا يخيّب صنّاع الفيلم ظنونا، ففي واحدة من تلك اللقطات الواسعة من أعلى لحشد من طلبة الأزهر، تكون الموسيقى التصويرية المصاحبة مقطعاً من غناء الحنجرة المميز لطقوس الرهبان البوذيين الجماعية.

الكاتب: شادي بطرس 

حقوق النشر: المدن 2022

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة