"ضدَّ الجدار"

وعلى العموم فإنَّ كلَّ شيء في هذا الفيلم مُخرَج بحساسية كبيرة. ويساعد في ذلك حضور الممثِّل محمد ظريف في دور البطولة، الذي يحقِّق الكثير بكلمات قليلة. عيناه الحزينتان تؤدِّيان كلَّ العمل، وخاصة في الفصل الثالث عندما يسافر إلى تركيا على مسؤوليته الشخصية لكي يجد سامي ويعيده إلى تونس.

وبطريقة ما فإنَّ هذا التسلسل يذكِّرنا بفيلم فاتح أكين "ضدَّ الجدار"، الذي ينطلق فيه البطل إلى إسطنبول لكي يجد حبيبته القديمة. ولكن الفرق هنا أنَّ الأب هو الذي يلعب دور المتحري.

تسليط الضوء على تونس

وبفيلمه "ولدي" يقدِّم المخرج محمد بن عطية أيضًا تعليقًا على طبيعة دولة تمر بمرحلة انتقالية مثل تونس، التي بدأ فيها الربيع العربي في [أواخر] عام 2010 ولا يستطيع فيها أشخاصٌ من الطبقة الوسطى، مثل رياض ونازلي، تقديم أية آفاق حقيقية لجيل الشباب. وبما أنَّ شابًا مثل سامي المنحدر في الواقع من أسرة جيِّدة يتَّخذ قرارًا ضدَّ مستقبله في تونس، فهذا يعود بشكل ما إلى حقيقة أنَّ رياض سيتقاعد قريبًا عن العمل وليست لديه مدَّخرات.

{باتت ميليشيات داعش الإرهابية مصدر إلهام لكثير من الكُتَّاب والمخرجين المسرحيين والسينمائيين.}

سامي لا يريد أن ينتهي به المطاف مثل والده، أمَّا إنْ كان هذا هو دافعه الحقيقي أو إنْ كان مجرَّد تخمين من قِبَل رياض، فإنَّ المخرج محمد بن عطية يترك هذا السؤال مفتوحًا. يؤكِّد تسلسل الأحلام مخاوف الأب، وعلى أية حال فإنَّ كثيرين من مقاتلي داعش في الحقيقة أصلهم من تونس. وعندما يكتشف الأب في نهاية الفيلم حساب سامي على موقع فيسبوك، لا يستطيع إلَّا أن يهز رأسه مستنكرًا عمل ابنه "الأبله" هذا. ولا يستطيع الكلام.

مقاربات مختلفة

لقد كانت الميليشياتُ الإرهابية في الآونة الأخيرة مصدر إلهام لكثير من الكتَّاب والمخرجين المسرحيين وقبل كلِّ شيء السينمائيين. على سبيل المثال تكتب الكاتبة البريطانية-الباكستانية كاملة شمسي في روايتها "منزل النار" الحائزة على جائزة حول الجوانب السياسية، وفي فيلمه الوثائقي "عن الآباء والأطفال" يرافق المخرج السوري طلال ديركي أسرةً إسلاموية [من جبهة النصرة].

وفي فيلمه "بروفايل" يقدِّم المخرج الكازاخستاني تيمور بيكمامبيتوف كلَّ شيء كقصة مثيرة: تقوم صحفية بريطانية متخفِّية بالاتِّصال مع أحد الجهاديين في سوريا وتكسب ثقته، وهذا الفيلم كله مصوَّر عبر شاشة. إنَّ فيلم "ولدي" للمخرج محمد بن عطية هو مساهمة متميِّزة في هذا الموضوع الصعب والمليء بالتحدّيات، يستحق جمهورًا واسعًا من المشاهدين.

 

 

شايان رياض
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

تدور أحداث فيلم "ولدي" حول شاب أدار ظهره لأسرته من أجل الانضمام إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" في سوريا. يمثل هذا الفيلم مساهمة مميزة في موضوع صعب ومليء بالتحدّيات، يستحق جمهورا واسعا من المشاهدين. 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.