*في أفق الثمانين من عمره الذي لم يكتمل

محمود درويش ناطقاً شعرياً باسم فلسطين وشاعراً عالمياً

يعدُّ محمود درويش علامةٌ أساسية في الشعر العربي المعاصر. قبل درويش كان الشعرُ العربيُّ شيئاً وصار بعده شيئاً مختلفاً. فهو غيَّر الذائقة وأقنع قراءه وسامعيه أن الشاعر يمكن أن يكون نجماً جماهيريا دون أن يخاطب الغرائز أو يكرّر السائد والمعروف وما يحب الناس أن يسمعوه. لقد قاد قراءه إلى قمة الشعر فاتحاً الآفاق وسيعةً لخيال السامعين والقراء.

يعدُّ محمود درويش (1941- 2008) أعظم شاعر أنجبته فلسطين، وواحداً من كبار الشعراء العرب المعاصرين. فقد عمل، على مدار سنوات عمره، على تطوير أدواته الشعرية، ما جعله يحتلُّ مكانة رفيعة في تاريخ القصيدة العربية في القرن العشرين.

كما أنه استطاع، على النقيض من عدد من شعراء الحداثة العرب، أن يزاوج بين نخبويّة نصه الشعري والحضور الجماهيري الذي جعل عشرات الآلاف من محبي الشعر يتوافدون إلى قراءاته الشعرية في العواصم والمدن العربية.

ولا يعود هذا الحضور الجماهيري إلى كونه فقط الناطقَ الشعري باسم فلسطين، منذ كتب سطوره الشعرية الشهيرة "سجّل أنا عربي"، فصار جمهوره يطالبه بقراءتها، حتى بعد أن باعد الزمن بين قصيدة "بطاقة هوية" وشاعرها الذي تطورت تجربته فعانق وعيُه الثقافي والشعري آفاقاً جديدة قرّبته من شعراء العالم الذين عبّروا عن القضايا الإنسانية الكبرى.

إن هذا الحضور وتلك الشهرة والنجوميّة، التي تمتع بها، تعود إلى قدرته على جعل نصه الشعري يتمتع بطبقات متراكبة من المعنى، بعضُها قريبٌ من أفهام الجمهور العام، الذي يعثر على فلسطين وصورها وهي تتخايَل في قصائد درويش، في الوقت الذي يسعى فيه الشاعر الخلاق إلى جعل فلسطين مجازاً لعذابات الإنسانية ومجلىً لمآزقها الوجودية.

"قبل محمود درويش درويش كان الشعرُ العربيُّ شيئاً وصار بعده شيئاً مختلفاً"

إنه علامةٌ أساسية في الشعر العربي المعاصر. قبل درويش كان الشعرُ العربيُّ شيئاً وصار بعده شيئاً مختلفاً. فهو غيَّر الذائقة وأقنع قراءه وسامعيه أن الشاعر يمكن أن يكون نجماً جماهيريا دون أن يخاطب الغرائز أو يكرّر السائد والمعروف وما يحب الناس أن يسمعوه. لقد قاد قراءه إلى قمة الشعر فاتحاً الآفاق وسيعةً لخيال السامعين والقراء.

 

 

في تقاطع الشعر العالي مع الذائقة التي تعاني من تشوُّهات، في استقبال الشعر وفهمه، أثبت محمود درويش أن في الإمكان أن يكون الشعر عالياً وجماهيريّاً في الآن نفسه. لا أحد من الشعراء العرب في القرن العشرين استطاع أن يحلَّ هذه المعادلة المعقدة سوى محمود درويش. قبله كان محمد مهدي الجواهري آتياً من مخيّلة تراثية تعيد سبك الموروث الشعري العربي، الجاهلي والأموي والعباسي، بأنواع المديح والرثاء والهجاء فيه، لكنه ظل مقيماً في الماضي، ولم يتعرَّض لرياح العصر سوى في الموضوعات التي تتصل بثورات العرب في النصف الأول من القرن الماضي.

وقبله اقترب نزار قباني من الجماهير الغفيرة، التي تتكوّن من المراهقين والمراهقات والنساء والحالمين بالحب؛ ثم خالَطَ شعرَه السهلَ الممتنع بشيء من السياسة وهجاء السياسيين فلمع نجمه أكثر وصار جمهوره الواسع يهبُّ إليه من كل مكان.

محمود درويش اشتغل على معادلته بطريقة مركبة أكثر؛ انطلق من الجرح الفلسطيني الذي ظلَّ ينزف منذ بدايات القرن العشرين وحتى هذه اللحظة. لكن بداياته تشكّلت في مهب رياح التغيير في الشعر العربي. سنجد في شعره الأول آثار بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي، ونزار قباني، ثم أدونيس، وربما سعدي يوسف. لكن جماهيريته، التي تصاعدت في تقاطع السياسي والثقافي، وتمازج تبلور الهوية الوطنية الفلسطينية مع تحولات الكتابة الشعرية في العالم، لم تمنعه من تطوير أدواته ومنجزه الشعريين.

"يتمثّل موقع درويش على خارطة الشعر العربي في قدرته على تزويج الإيقاع للمعاني والتجارب الوجودية العميقة"

كانت غاية درويش أن يكتب شعرا يحكي عن الجرح الفلسطيني دون صخب؛ وكان حلمه أن يكتب شعراً صافياً لا ضجيج فيه ولا إيقاعات عالية. لكنه كان شاعرا لافتاً حتى في تلك القصائد التي كان يطالبه جمهوره بقراءتها في أمسياته جميعها؛ وكان محمود يرشو الجمهور نازلاً عند رغبات هذا الجمهور لكي يقرأ له ما يريد هو: قصائد كبيرة من مجموعات: هي أغنية هي أغنية، ورد أقل، أحد عشر كوكبا، لماذا تركت الحصان وحيدا، جدارية، كزهر اللوز أو أبعد، لا تعتذر عما فعلت، أثر الفراشة ..إلخ.

يتمثّل موقع درويش على خارطة الشعر العربي في قدرته على تزويج الإيقاع للمعاني والتجارب الوجودية العميقة، في تلقيح هذا الشعر بغبار طلع الكتابات الشعرية العالمية المميزة؛ بشعر فيدريكو غارسيا لوركا ووليم بتلر ييتس وبابلو نيرودا ويانيس ريتسوس وغيرهم من الشعراء الكبار الذين تتألق قصائدهم في ذاكرة الشعر العالمي. ولأنه عرف كيف يطعّم شعره بشعرهم، ويزوّج التراجيديا الفلسطينية لتراجيديات البشرية وعذابات الإنسان في كل زمان ومكان، فقد أصبح، قبل وبعد رحيله، واحدا من شعراء العالم الكبار.

فخري صالح كاتب وباحث وناقد أدبي ومترجم أردني من أصل فلسطيني. حائز على جائزة فلسطين للنقد الأدبي (1997)، وجائزة غالب هلسا (2005). أصدر أكثر من عشرين كتابا، من بينها: في الرواية الفلسطينية، في الرواية العربية الجديدة، إدوارد سعيد: دراسة وترجمات، قبل نجيب محفوظ وبعده: دراسات في الرواية العربية، أصوات من ثقافة العالم، كتاب الثورات العربية: المثقفون والسلطة والشعوب، كراهية الإسلام: كيف يصور الاستشراق الجديد العرب والمسلمين. كما ترجم "النقد والأيديولوجية" لتيري إيجلتون، "ميخائيل باختين: المبدأ الحواري" لتزفيتان تودوروف، و"الاستشراق" لضياء الدين ساردار، و"موت الناقد" لرونان ماكدونللد.
فخري صالح كاتب وباحث وناقد أدبي ومترجم أردني من أصل فلسطيني. حائز على جائزة فلسطين للنقد الأدبي (1997)، وجائزة غالب هلسا (2005). أصدر أكثر من عشرين كتابا، من بينها: في الرواية الفلسطينية، في الرواية العربية الجديدة، إدوارد سعيد: دراسة وترجمات، قبل نجيب محفوظ وبعده: دراسات في الرواية العربية، أصوات من ثقافة العالم، كتاب الثورات العربية: المثقفون والسلطة والشعوب، كراهية الإسلام: كيف يصور الاستشراق الجديد العرب والمسلمين. كما ترجم "النقد والأيديولوجية" لتيري إيجلتون، "ميخائيل باختين: المبدأ الحواري" لتزفيتان تودوروف، و"الاستشراق" لضياء الدين ساردار، و"موت الناقد" لرونان ماكدونللد.

ثمَّة في شعر محمود درويش علامات كبرى تدلُّ القارئ على تطور تجربته الشعرية، ونضوجه الثقافي والفكري والوجداني والسياسي، وعلى قدرته، كمبدع خلاق، على تحويل الفردي والشخصي، في حياته وحياة الفلسطينيين، إلى تجربة جماعية كبرى تضيء القضية الفلسطينية وتضعها في وجدان العرب المعاصرين، كما في ضمير العالم ووعيه. ففي رحلته من "سجِّل أنا عربي"، التي كانت صرخته للتعبير عن الهُويَّة الفلسطينية – العربية التي سعت الحركة الصهيونية والدولة العبرية إلى محوها، إلى قصائده التي كتبها في أيامه الأخيرة، نعثر على منحنى صاعدٍ، عموماً، في هذه التجربة الشعرية الغنية التي أصبحت، سنةً بعد سنةً، دلالةً ساطعة على اسم فلسطين ومأساتها ومقاومتها، وتحولها إلى قضية إنسانية تمثِّل أكبر عملية تزييف للوعي الغربي خاصة، والإنساني عامة.

استطاع شعر محمود درويش أن ينبِّه الضمير العالمي إلى التراجيديا الفلسطينية، وينبه وعي البشر، من غير أصحاب المصالح، إلى عملية التطهير العرقي التي تعرَّض لها الفلسطينيون على أيدي معتنقي الفكر الصهيوني وأنصارهم في الغرب، لإحلال شعب محلَّ شعب وطرد الفلسطينيين من الجغرافيا والتاريخ. وقد بدأ درويش تجربته من دائرته الأولى، ممثَّلةً في تجربة العيش تحت الاحتلال الإسرائيلي في أرض 1948، منتقلاً إلى دائرته العربية الأوسع، بعد خروجه  من فلسطين، وواصلاً في النهايات إلى الدائرة الثالثة، أي البعد العالمي الذي حظي به شعره الذي تُرجم إلى عشرات اللغات.

علينا ألا نغفل بالطبع عن المرحلة الأولى في تجربة درويش الشعرية، بنبرتها العالية أحياناً، وصيغتها المباشرة أحياناً أخرى، وتأثُّرها الواضح بما كان يتسرَّب إليه من شعر عربي ينتمي إلى مرحلة الخمسينيات والستينيات في التجربة الشعرية العربية المعاصرة، فتلك المرحلة تظلُّ جزءاً مهمَّاً من تطوره الشعري اللافت، وقدرته على هضم تجارب الشعر في العالم، وتمكُّنه في كثير من شعره الأخير أن يكتب قصائد في أهمية ما كتبه شعراء عالميون كبار في وزن فيدريكو غارسيا لوركا، ولويس أراغون، وبابلو نيرودا، ويانيس ريتسوس، ووليم بتلر ييتس، وآخرين من شعراء القرن العشرين البارزين.

إنه شاعرٌ حيٌّ مثله مثل أسلافه الكبار: أمرؤ القيس، وطرفة بن العبد، وأبو تمَّام، والمتنبي، وأبو العلاء المعري؛ وهو لا يقلُّ عنهم أهميةً وتفردّاً.

 

فخري صالح

حقوق النشر: قنطرة 2020

*من مقدمة لمختارات شاملة من شعر محمود درويش اختارها وقدم لها الكاتب وتصدر قريبا عن الدار الأهلية للنشر في عمان.

فخري صالح كاتب وباحث وناقد أدبي ومترجم أردني من أصل فلسطيني. حائز على جائزة فلسطين للنقد الأدبي (1997)، وجائزة غالب هلسا (2005). أصدر أكثر من عشرين كتابا، من بينها: في الرواية الفلسطينية، في الرواية العربية الجديدة، إدوارد سعيد: دراسة وترجمات، قبل نجيب محفوظ وبعده: دراسات في الرواية العربية، أصوات من ثقافة العالم، كتاب الثورات العربية: المثقفون والسلطة والشعوب، كراهية الإسلام: كيف يصور الاستشراق الجديد العرب والمسلمين. كما ترجم "النقد والأيديولوجية" لتيري إيجلتون، "ميخائيل باختين: المبدأ الحواري" لتزفيتان تودوروف، و"الاستشراق" لضياء الدين ساردار، و"موت الناقد" لرونان ماكدونللد.

 

+++++++++++++++

 

المزيد حول الشاعر محمود درويش من موقع قنطرة

آخر قصائد محمود درويش "لاعب النرد": رثاء الذات واستشراف الموت

واقع العالم العربي هو الكابوس وليس كنايته الأدبيّة

"على هذا الأرض ما يستحق الحياة"...إرادة الحياة الفلسطينية تهزم الواقع الأليم

"عالم ليس لنا"...نحن جميعاً نعيش في حضرة الغياب

الياس خوري: في الكتب السردية، يمتزج الشعر بالنثر، ويصير الشعر قبة النثر، مثلما يصير النثر لحظة شعرية تخطف الروح وتتغلغل في أعماقها.

حينما يبكي غصن الزيتون.....

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة