في انفلات الاستبداد على رقاب العباد

محارق الفكر في أوروبا والعالم العربي الإسلامي

حسن العاصي يسلط الضوء على ما تفعله السلطة التي تبتغي أن يظل الناس في قاع الجهل والتخدير العقلي وفقدان الأمل بالأفضل، وعلى ما يجيد فعله الحاكم ماضياً وحاضراً بالمفكرين مدفوعاً بالمصالح والأطماع.

طالما كان الفلاسفة والمفكرون والمبدعون والمثقفون والكتّاب المتنورون، هدفاً للتعنيف من قبل السلطتين السياسية والدينية، حيث تقومان بالتضييق بشتى السبل عليهم، وقد يتم الاعتقال والزج بهم في السجون، بل أبعد من ذلك، إذ وصل الأمر إلى القتل الشنيع، بل أكثر كحرقهم وهم أحياء، والتمثيل بجثثهم، أو صلبهم فوق ألواح خشبية في أماكن عامة، وتعذيبهم وجلدهم وتركهم يموتون ببطء.

في تاريخنا الكثير من الصفحات التي دوّنت أساليبَ متعددة في القتل، تعكس همجية موغلة في الوحشية إلى أبغض الحدود، وتستحضرنا عدة أسماء لأشخاص كان عندهم رؤى مختلفة عما هو سائد، وحاولوا تحريك المياه الآسنة، ودفع العامة لإعادة التفكير في المسلمات، وخضّ الأفكار والقناعات لدى الغوغاء الذين كان يجري توظيفهم من قبل السلطة الطاغية لمواجهة أي صوت حر يوخز ورم الجمود الجاثم على العقول والأفكار والبصيرة، على أمل الشفاء لتحريك الواقع وتغييره ولو قليلاً.

إعدام أول رجل بسبب أفكاره

لقد تعرض كثير من الفلاسفة على مر التاريخ للاضطهاد والقهر، وصل إلى حد القتل، وكان إعدام الفيلسوف اليوناني "سقراط" قد شكل واقعة غير مسبوقة في التاريخ البشري لإعدام إنسان بسبب افكاره ومواقفه، وهي بذات الوقت أول موقف عدائي معلوم من الفلسفة، حيث تحالفت السلطتين السياسية والدينية لمحاربة التفكير الحر وعدم التسليم بما يقال، الذي كان يدعو له سقراط فتم قتله بتهمة إفساد عقول الشباب.

في العصور الوسطى تعرض العديد من الفلاسفة والعلماء للاستبداد والقهر والإذلال، وهذا ما حصل مع عالما الفلك البولندي " نيكولاس كوپرنيكوس" والإيطالي "لجاليليو جاليلي" اللذان وضعا حجر الأساس للفيزياء الحديثة، وأول من صاغا نظرية مركزية الشمس وكون الأرض جرماً يدور في فلكها. ووصل الإرهاب الفكري حداً تم فيه حرق الفيلسوف والعالم "جوردانو برونو" حياً في ميدان روما على يد رجال الدين الكهنوت لأنه تبنى نظرية كوبر نيكوس وجاليلو. كذلك تعرض المكتشف "كريستوفر كولومبس" لانتقاد رجال الدين الذين حذروه إن ما وصل إلى حافة الأرض فسوف يسقط هو وبحارته ويهلكون. لكنه مضى في رحلته التي أوصلته إلى اكتشاف القارة الأمريكية.
 
في التراث الإسلامي
 
 
في الخلافة الإسلامية نجد أمثلة شبيهة لعل أشهرها قيام الخليفة العباسي "أبي جعفر المنصور" بقتل "ابن المقفع" صاحب كتاب "كليلة ودمنة" بتقطيع أطرافه وإلقائها في النار وهو حي، والتهمة هي قيام ابن المقفع بنشر الرسالة التي كان قد أرسلها إلى المنصور بهدف الإصلاح، وانتقد فيها موقف الفقهاء الذي يدعو الناس إلى الطاعة المطلقة للخليفة والولاة، الرسالة المعروفة "رسالة الصحابة"، وتم قتل صديقه صاحب البلاغة الشهير "عبد الحميد الكاتب" بوضع وعاء محمى من النحاس فوق رأسه حتى مات ببطء.
 

ومن الأمثلة الأخرى في التاريخ الإسلامي قيام "صلاح الدين الأيوبي" بأمر ولده الملك الظاهر بقتل الفيلسوف "شهاب الدين عمر بن محمد بن عبد الله السهرودي" المعروف بالسهرودي، ولا يمكن لأي مثقف أن يغفر لصلاح الدين -مهما كانت عظمته- هذا الفعل. السهرودي كان شيخاً وعالماً زاهداً محدثاً تم سجنه وتركه يموت جوعاً بسبب فتنة ومكيدة أعدها له فقهاء حلب الذين أفتوا في قتله بعد اتهامه بالزندقة.

في العصر العباسي تم أيضاً إعدام الشاعر والفيلسوف الصوفي" أبو المغيث الحسين بن منصور الحلاج" المعروف بالحلاج، حيث نشب خلاف بينه وبين أعلام الصوفية في عصره الذين كانوا يؤثرون العزلة عن الناس تاركين تدبير أمورهم إلى الله، لكن الحلاج تملكته نزعة إصلاحية حملته على الجهر بأفكاره لعامة الناس، وانتقاد الأوضاع السائدة، فتم الإيقاع به بمكيدة واتهامه بالزندقة والإلحاد، وسجن ثم صلب حياً حتى فاضت روحه بعد أن تم جلده بشدة، وبعد موته قطع رأسه وحرق جثمانه.

وكذلك قيام الخليفة العباسي "المهدي محمد بن المنصور" بقتل الشاعر والحكيم " أبو الفضل صالح بن عبد القدوس الأزدى" بتهمة الزندقة.

 
 

علماء يضطهدون علماء

لم يتوقف الأمر عند قيام السلطتين السياسية والدينية بممارسة الاضطهاد والجور للفلاسفة والعلماء، بل أن بعض الفقهاء والمؤرخين شاركوا بهذه الأفعال، حين كان يتم إلقاء تهمة الكفر والتجديف على كل من يخالفهم الفكر.

على سبيل الذكر لا الحصر فإن المتصوف الأندلسي الإمام "محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن عربي" المشهور بابن عربي اتهمه فقهاء عصره بالكفر والضلال، وهو الذي يعتبر شيخ الصوفية، وكان يميز بين المنهج العقلي الاستدلالي الذي يستعمله الفلاسفة، وبين منهج الصوفية في المعرفة الذي أسماه الذوق، وقال إن الأولين أصحاب فكر لا ذوق، والآخرين أصحاب أذواق وأحوال، لا أصحاب فكر واستدلال. أفكار ابن عربي وخاصة كتابه "ترجمان الأشواق" كانت سبباً في توجيه تهم توظيف الرمز لستر ما ينافي الدين. وقام كل من "ابن تيمية" و "ابن خلدون" بتكفيره، ثم انقسم الناس حوله فمنهم من كفره وبدعه وهم أكثر العلماء، ومنهم من عده الشيخ الأكبر وعده من كبار الأولياء وهم الصوفية، ومنهم من اعتقد ولايته وصلاحه ومع ذلك حرم النظر في كتبه.

وزارة الزندقة

في واقعة غريبة أخرى حصلت في القرن الثاني الهجري، فقد أنشا أمير المؤمنين "المهدي محمد بن المنصور" وزارة من مهماتها ملاحقة الزنادقة، وسميت "ديوان الزنادقة"، اشتهر هذا الديوان بملاحقة من كان يعتبر زنديقاً لخروجه عن الثوابت والمقدسات، بل أن مهام هذا الديوان اتسعت بحيث نال كل من يخالف الأمراء والفقهاء العباسيين، وتحول الديوان إلى محكمة تفتيش، حيث تم إلقاء القبض على جميع الزنادقة وأمر الخليفة بقتلهم جميعاً وإحراق كتبهم.

 

 

 لكن تهمة الزندقة رفعت أيضاً في وجه الخصوم لأسباب سياسية. أذكر هنا في هذا السياق قيام الخليفة "أبو محمد موسى الهادي" المعروف بالهادي ابن الخليفة "أبي جعفر المنصور" بقتل "يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة" بتهمة الزندقة بناء على وصية من والده المنصور.

وبالرغم من أن الخليفة العباسي "عبد الله المأمون" ابن الخليفة " هارون الرشيد" كان مهتماً بالعلم والعلماء وبالبحث العلمي، وأسس جامعة بيت الحكمة في بغداد، وشهدت فترة حكمه ازدهاراً علمياً، واعتبرت فترة حكمه نقطة تحول في تاريخ الفلسفة الإسلامية من خلال انفتاحها على الفلسفة اليونانية، إلا أنه يعاب على المأمون غياب حرية الفكر الفلسفي في فترة حكمه، وتم في عصره امتحان الفقهاء ورجال الفكر بذريعة محاربة الزندقة، وقد كان يشارك بنفسه في مناقشة العلماء فيما سمي "محنة القرآن" وما تبع ذلك من قتل وسجن وأذية المخالفين لفكر الدولة.

الخليفة المعتصم "أبي إسحاق محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور" ثامن الخلفاء العباسيين، المشهور عنه قصة وامعتصماه، اتهم "علي بن عبيدة الريحاني" بالزندقة، وهو أحد أهم البلغاء الفصحاء في عصره، حتى قيل إنه أهم من الجاحظ بلاغة.

الشاعر الشهير والضرير "بشار بن برد العقيلي" رغم أنه كان سليط اللسان، فقد ذهب كثيرون أن سبب قتله من قبل الخليفة المهدي ليس زندقته إنما هجائه للخليفة ببيتين قالهما، أوردهما هنا لمن لا يعرف الواقعة: "خليفة يزني بعماته-يلعب بالدبوق والصولجــــــــان-أبدلنا الله به غيره-ودس موسى في حر الخيزران".

الحجاج بن يوسف الثقفي قام بقتل الشاعر "الأعشى الهمداني" لأنه كان من أنصار ثورة "ابن الأشعث" الفاشلة فضرب الحجاج عنقه بعد أن هجاه الأعشى.

الشاعر "طرفة بن العبد" قتله ملك الحيرة "عمر بن هند" بتقطيع قدميه ويديه ودفنه حياً، وكان طرفة ما زال شاباً صغيراً، لأنه قام بهجاء الملك.

 

 

الشاعر واللغوي والفيلسوف "أبو العلاء المعري" رغم اختلاف الأقوال حوله، بين كونه متشككاً في عقيدته ومندداً بالخرافات، وبين من اعتبره يهاجم أصحاب الديانات وليس الديانات ذاتها، إنما وجهت له تهم الزندقة والتجديف. حيث قال فيه "أبو الفرح بن الجوزي" إن "زنادقة الإسلام ثلاثة، ابن الراوندي، وأبو حيان التوحيدي، وأبو العلاء المعري، وأشدهم على الإسلام أبو حيان، لأنهما صرّحا، وهو مجمج لم يصرح".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.