في تعثر الإصلاح الإسلامي

تناقضات مشاريع الإصلاح الإسلامي مرآة لتناقضات الواقع السياسي العربي

يعتبر الكاتب موريس عايق أن الذي يحكم كل مشاريع الإصلاح الإسلامي هو سؤال سياسي وهو خطاب النهضة: "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم"؟ لكن هذا السؤال، كما الإجابة عليه، بعيد عن قضايا العقيدة وغير محكوم بهمومها ومشاغلها. معضلة الإصلاح الحقيقية تكمن في كيفية القيام بإصلاح ديني انطلاقاً من هموم غير دينية أصلاً!

اعتمدت مجمل المحاولات الساعية إلى فتح باب الإصلاح الإسلامي على أطروحة مركزية من أجل تفكيك المقولات التي حكمت الكلام الإسلامي، وذلك بمعزل عن تباين الاستراتيجيات التي اعتمدتها هذه المحاولات.

تقول هذه الأطروحة، أن الفرق الإسلامية الأساسية ليست سوى صياغة فقهية وكلامية متأخرة لمواقف سياسية حكمت نشأة هذه التيارات. لا يقتصر هذا على الخوارج والشيعة وحسب، إنما يتعداه إلى الموقف الأشعري والمعتزلي والمواقف الأساسية، التي نشهدها في السياسة الشرعية. جميعها كانت محكومة أساساً بالنزاع السياسي الكامن في أصل نشأتها. بحسب هذه الأطروحة، يقف السياسي خلف الفقهي والكلامي ويفسرهما.

أهمية هذه الأطروحة تنبع من محاكمة ضمنية تعتمدها، ويمكن تلخيصها على الشكل التالي: الكشف عن السياسي الحاكم والناظم للفقهي والكلامي يؤدي إلى الكشف عن الطبيعة التاريخية لهذين الموقفين (الفقهي والكلامي)، بما يسمح بتفكيك الدعوى الإطلاقية والتنزيهية التي تضفيها المؤسسة الدينية الرسمية على مواقفها الكلامية والفقهية باعتبارها الدين نفسه. عندها، تكشف الرؤية الرسمية المعتمدة للإسلام عن نفسها بوصفها قراءة تاريخية كانت محكومة دوماً بمتطلبات النزاع السياسي في زمن محدد، وعليه لا تملك هذه المواقف عصمة خاصة بها أو حق الادعاء بتمثيلها للدين، فهي -في المحصلة- لا تعدو أن تكون مواقف تاريخية.

إن ما يترتب على إظهار تاريخية الفهم الفقهي والكلامي للإسلام الرسمي، هو فتح الباب من جديد للحديث في أصول الفقه والكلام والعقيدة وتقديم أطروحات مغايرة وجديدة بصدد قراءة القرآن نفسه. بعبارة أخرى، إن الكشف عن السياسي الكامن في أصل المواقف الفقهية والكلامية، يسمح بتبيان تاريخية الأخيرة، بما يفتح الباب للنظر مرة أخرى في مسائل الأصول على أساس سياق تاريخي مغاير وحديث.

إعادة الاعتبار للسياسي وإعادة فتح باب الكلام في المسائل الفقهية والكلامية

أعتقد أن هذه الأطروحة المركزية، أي الطبيعة التاريخية للمواقف الفقهية والكلامية وأصلها الماثل في النزاع السياسي، صحيحة. في المقابل أعتقد أن هناك عطباً في  مجمل المحاكمة التي تستند إليها هذه الأطروحة، برغم ما يبدو لها من وجاهة أولى. وعليه سأحاول تقديم بعض الإشكاليات التي تواجه هذه المحاكمة الضمنية الناظمة لمجمل مشاريع الإصلاح الديني.

أول الإشكاليات التي تواجه هذه المحاكمة هو الدفع بها إلى نهايتها المنطقية وأخذ نتائجها على محمل الجد، بما يستلزم إعادة الاعتبار للسياسي لدى إعادة فتح باب الكلام في المسائل الفقهية والكلامية.

إذا كان السياسي هو المؤسِس لهذه المواقف، فإن السياسي مرة أخرى هو المدخل لإعادة فتح النقاش فيها وحتى تثبيت مقولات مغايرة لاحقاً. الإصلاح الإسلامي، بحسب هذه المحاكمة، هو شأن سياسي أولاً. وإعادة الاعتبار للسياسي لن تعني الماضي وحده وحسب بل تمتد أيضاً إلى الحاضر.

هنا تواجهنا مشكلة مباشرة وهي رغبة السياسي وخياراته وقدرته على القيام بعبء هذا الأمر. لكن أي نظرة إلى الواقع السياسي الحاكم للعالم العربي كافية لتبين أن مسألة السياسي لدينا مسألة عالقة. فالأنظمة السياسية تعوزها الشرعية، التي تسمح لها بالقيام بخطوات تأسيسية في تأسيس فهم جديد للحيز الديني وتقديم مقاربة جديدة للعقيدة، الشيء الذي يحتاج إلى قدر كبير من الشرعية التي لا تحوزها هذه الأنظمة سلفاً.

 كتاب "حركة الإصلاح فى التراث الإسلامي" للمؤلف شارل سان برو يقدم تعريفا دقيقا لمعنى الإصلاح وعلاقته بالفكر السلفى، ثم يتحدث باستفاضة عن الحركة الإصلاحية فى التاريخ الإسلامي منذ بداية تأسيس الدولة العثمانية حتى العصر الحديث. وبحسب المؤلف، فانه لا وجود للدولة الدينية فى الإسلام، لأن الإسلام يهتم بالسياسة التى تنظم المجتمع بطريقة لا تتعارض مع المبادئ الاساس للدين والتى تهدف إلى تماسك المجتمع وضمان التعايش السلمى، ويختتم المؤلف كتابه بانه يجب أن يعتمد المسلمون فى العصر الحاضر والمستقبل على الاجتهاد من أجل تحقيق التقدم والتجديد والعدالة الاجتماعية.
كتاب "حركة الإصلاح فى التراث الإسلامي" للمؤلف شارل سان برو يقدم تعريفا دقيقا لمعنى الإصلاح وعلاقته بالفكر السلفى، ثم يتحدث باستفاضة عن الحركة الإصلاحية فى التاريخ الإسلامي منذ بداية تأسيس الدولة العثمانية حتى العصر الحديث. وبحسب المؤلف، فانه لا وجود للدولة الدينية فى الإسلام، لأن الإسلام يهتم بالسياسة التى تنظم المجتمع بطريقة لا تتعارض مع المبادئ الاساس للدين والتى تهدف إلى تماسك المجتمع وضمان التعايش السلمى، ويختتم المؤلف كتابه بانه يجب أن يعتمد المسلمون فى العصر الحاضر والمستقبل على الاجتهاد من أجل تحقيق التقدم والتجديد والعدالة الاجتماعية.

"الأنظمة السلطوية الفاشلة يمكن لها أن تكون السياسي الذي يحتاجه الإصلاح الإسلامي"

وفضلا عن ذلك فإن القيام بمثل هذا الشأن يفترض أن هذه الأنظمة تقوم على أيديولوجيات ومشاريع قومية تأسيسية، بينما أنظمتنا ليست وحسب معدومة الأفق والمخيلة، بل ولا يتجاوز أفقها السياسي هدف الحفاظ على نفسها عبر تكريس الانقسامات الاجتماعية واستخدام الهويات مادون الوطنية ضد بعضها البعض، حيث يستخدم النظام العربي العلماني ضد الاسلامي، والإسلامي ضد العلماني ويبتز كلاً منهما، كما لا يتورع عن استخدام الطوائف والقبائل وأية عصبية يطالها ليضعها في مواجهة بعضها البعض، بما يكرس بقائه وسلطته.

أنظمة تعوزها الشرعية والأيديولوجيا والمشروع الوطني، ولا يتعدى اهتمامها الحفاظ على نفسها حتى لو دمرت مجتمعاتها، هي أنظمة لا يمكن لها أن تكون السياسي الذي يحتاجه الإصلاح الإسلامي. إن سلامة هذه المحاكمة الضمنية في خطاب الإصلاح والتجديد تفترض السياسي، غير أن السياسي غير موجود.

هذا يضعنا أمام سؤال أولي لا إجابة لنا عليه، لكن على إجابة هذا السؤال يتعلق مصير مشروع الإصلاح. إن سؤال السياسي يغيب ضمناً عن سؤال الإصلاح، المقدم بوصفه مشروعاً مستقلاً ومنفرداً.

يرافق هذه المحاكمة الضمنية إطار مفترض لسؤال الإصلاح، إطار يجعل من الإصلاح الديني مفتاحاً لحل المشاكل التي نعانيها، الديمقراطية والحداثة والتقدم التاريخي. فهذه جميعها تصبح رهينة بنجاح مشروع الإصلاح الديني. أو بقراءة عكسية، إن جذور كل مشاكلنا - انحطاط أخلاقي وتدهور في منزلة القيم والمعايير التي تحكم السلوك والنظام الاجتماعي - نجدها في المدونة الفقهية والكلامية التراثية التي يعتمدها الإسلام التقليدي.

هذا طرح إشكالي وتعوزه الدقة إن لم يكن خاطئ. فما نواجهه هو حالة فصام بين السلوك الاجتماعي والمعايير التي تحكم هذا السلوك، بدءاً من حالات متطرفة مثل الإرهاب، فلا يشكل الإرهابيون ذوي التعليم الديني التقليدي إلا نسبة ضئيلة من الموصوفين بالإرهاب أو من أصحاب التعليم الديني الذين لم يلتحقوا بمثل هذه الجماعات، وصولاً إلى الأنماط السلوكية العادية التي تبدو متعارضة مع ما تقدمه المدونة الإسلامية التقليدية نفسها من قيم أخلاقية ومعايير سلوكية.

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : تناقضات مشاريع الإصلاح الإسلامي مرآة لتناقضات الواقع السياسي العربي

هناك فرق بين ان يكون المصلح مؤمناً بما يقوم على اصلاحه ، أو انه يحاول ان يتصنع الإصلاح ويتصدى له للحصول على مكاسب سياسية أو شعبية ، فالأول هو نادر في وقتنا الحاضر أو يكاد ينعدم وجوده ، اما الثاني فتخص به المجتمعات العربية والإسلامية ودائماً ما يجد نفسه محاطاً بمجموعة من المتخلفين أو السذج وفِي بعض الأحيان يحاط بأناس عاطفيين اكثر من اللازم وتدفعهم عاطفتهم مع بعض الشحن الطائفي أو العرقي بان ينقادوا الى طريق هم نفسهم لم يخططوا له ، ومن هنا تنشأ الجماعات التي تسير بالمجتمع نحو الهاوية

ابراهيم 21.09.2018 | 23:15 Uhr