في رثاء راعي القطط ـ"برق ورعد"ـ

ـ"في عيون القطط ترونني وأراكم"ـ قصة الناشط السعودي أبو عبد الرحمن

فاض موقع تويتر بالحزن وعدم التصديق -في أواخر آب/أغسطس 2020- للأخبار المؤلمة حول رحيل رجل لم يُعرَف سوى باسمه المستعار "برق ورعد". ريم الكيلاني تودع عبر موقع قنطرة ناشطا سعوديا معروفا برفقه بالحيوان، ولم تُعرَف هويته إلا بعد وفاته.

صادفتُ "برق ورعد" منذ عامين، حين كنت أبحث عن مقاطعِ فيديو حول القطط للتخفيفِ من الضغوطِ اليوميةِ. وبما أنني محبةٌ للقطط، شعرتُ وكأنها هديةٌ من السماءِ حين اكتشفت حساب "برق ورعد" على موقع تويتر، والذي يتباهى اليوم بما يقارب من 42 ألف متابعٍ.

والمقصودُ باسم "برق ورعد" اثنان من قططه شبه الوحشية، فُقِدا مؤخراً. وقد اعتنى هذا الرجلُ اللطيفُ بمجموعةٍ من القططِ التي تناقص عددها لأنها فُقِدت بطرقٍ مختلفةٍ، أو دُهِست أو وقعت ضحية مرض "فيروس الكأس" الذي يصيب القطط "كاليسي فيروس".

في ملحقٍ للمنزلِ الرئيسي -المجلس الذي عادةً ما يُخصّصُ للزوارِ الذكورِ- غرفة واسعة اعتاد متابعوه رؤيتها، أرضيتها مغطاةٌ بسجادٍ تقليدي مزخرف.

ومعدّاتُ المجلسِ كلها موجودة هناك: الوسائدُ التي تُستخدمُ كمسندٍ للظهرِ ولليدين؛ وترمسٌ طويلٌ [قارورة حافظة للحرارة] يحتوي القهوةَ البدويةَ؛ ومدفأةٌ تتكاسلُ أمامها القطط على رخامِها الباردِ في الصيفِ وتتجمعُ حولها للدفء في الشتاءِ؛ وشاشة تلفزيون كبيرة تعرضُ برامجَ الحياةِ البريةِ والرياضة؛ ومكيفا هواء على الجانبين المتقابلين من الغرفةِ تناوبا في الحفاظِ على برودةِ القطط؛ ودِلالُ قهوة نحاسية تقليدية؛ وحاويات من مادة المينا تحتوي طعاماً للقطط؛ إضافة إلى مخزونٍ من طعامِ القطط المجفف وغير المجفف وعيادة بيطرية بدائية.

 

 

كاريزما وفطنة وحنان

ومن ثم هناك "نجمة" وهي كلبةٌ مشرّدةٌ. وخلافاً للمفاهيمِ الخاطئةِ السائدةِ فإن الكلاب الكنعانية (البلدية) -المعروفة بأنها تعيشُ في الصحراءِ منذ أقدمِ العصورِ- هي حيوانات أليفة مثالية، إضافة إلى أدوارها التقليدية التي تتمثلُ في الرعي والحراسةِ.

وعلى النقيضِ من عدم الاهتمامِ الشائعِ جداً بالكلابِ وضع برق ورعد "نجمة" تحت رعايته، حتى أنه شيّدَ لها بيت كلاب صغيراً أنيقاً.

وقد كان يوليها اهتماماً خاصاً منذ أن فقدت اثنين من جرائها وشعرت بالاكتئابِ. ويُظهِرُ فيديو بعد وفاته أصدقاء الفقيدِ وهم يتفقّدون القطط المرتبكة في مجلس بلا روحٍ، بينما يُخبرون المتابعين المكلومين بأنّ نجمة كانت تنبحُ من دون توقفٍ منذ وفاةِ مربيها.

أما بالنسبةِ لمجموعةِ القطط التي تقاسمت المجلس، فإنّها تضمُّ شخصيات تتمتعُ بقدرٍ من الكاريزما والفطنةِ والحنان مثل منقذها. فهناك "بريقعة"، أمٌ عصابيةٌ ببقعةٍ سوداء على كل عينٍ من عينيها؛ و"بحر"، وهو قط أبيض وأصفر محبوبٌ سمح للقطط اليتيمة بالرضاعةِ منه؛ و"بلاكي"، وهو قطٌ ناعمٌ أَسْوَد داكنٌ يجلسُ في حضن حارسه؛ و"سيلفر"، قطٌ رشيقٌ وذكي يمكنه أن يلعبَ لعبة الالتقاطِ، حتى اختفى، مما أثار انزعاجنا؛ و"تومي"، كتلة شقاوة بيضاء وسوداء و"سارة"، الحسناءُ الساحرة التي تتباهى بجينات أميريةٍ.

 

 

ورغم أنّ علمَ الأنسابِ معقّدٌ للغايةِ، حرص "برق ورعد" على تذكيرنا بمن من القطط كان ابن من، ومن الابنة، والأم، وأي منهم الأب والسلف. وتنحدرُ هذه السلالةُ من الجدةِ التي دخلت مرةً إلى المجلسِ من أجل ولادةِ أول مولودِ من بين العديد من المواليد الذين سيأتون لاحقاً.

وكان الدورُ الذي لعبه "برق ورعد" أكثر من مجرّد ترفيه. إذ أصبحت مقاطع الفيديو الخاصة به أداةً تعليميةً. وتضمنت المقاطعُ التعليميةُ كيفية صنع أنبوب إطعام أو سقايةٍ للقطط، وكيفية إعطاءِ الحقن وكيفية العنايةِ بالحيوانات المحتضرةِ مثل "مرزوق". فهذا القطُ الشاردُ الكهلُ ليس منحدراً من الجدةِ؛ بل كان أشبه بنزيلٍ يأتي ويذهب كما يشاء. بيد أنّ مرزوق حين علم أنه يحتضرُ، أصبح "برق ورعد" مقدّم الرعايةِ له، والمجلسُ مشفاه. وحين مات مرزوق بكينا جميعنا.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة