في الطريق إلى عين صالح طريق آخر وطويل عبر أرض "الحمادة" تستقبلك 

واحات عين صالح وهي أجمل ما في الصحراء هنا تبدو الصحراء كأنها بحر أصفر  والكثبان موجه والنخيل الباسقة صواري خضراء وقد توقفت في مرفئها الماء الزلال والطيبة والبشر والأخذ بالأحضان وفناجين الشاي والدعة.

الصحراء هي اليأس والواحات هي الأمل، الصحراء هي الجحيم والواحات هي المطهر.

الصحراء هي الدرس البليغ الذي يتلقاه الإنسان من لدن الحياة من يذهب إلى الصحراء مرة يعاوده الحنين بالرجوع مرة أخرى فالأشياء المقفرة سطحيا هي أشياء غنية في العمق.

ترى لماذا كان الأنبياء أبناء الصحراء؟ ولماذا يهيم بها الشعراء والكتاب والفنانون والفلاسفة؟

 

 الطوارق فيي الصحراء Afrika Wüsste Tuareg Foto Picture Alliance
للطوارق أسمارهم الليلية يختلطون رجالا ونساء فيتناغم الجمال جمال الصحراء وجمال الإنسان وجمال الإيقاع: السماء لازوردية اللون والشمس مسفرة تستعد للغروب تلعب معنا لعبة "الغميضة" يختفي قرصها كله أو بعضه وراء قمم الجبال وأشعتها تتراقص بجنون بين الشقوق. يبدو قرصها كبيرا تنزلق رويدا رويدا وتتجرد من أشعتها كأنها محارب إغريقي نزع سرباله وألقى سلاحه قد جميل وبشرة ناعمة ونظرة مغرية بدأ اللون اللازوردي يتنوع في اللون بين الأزرق الكحلي والفيروزي والفاتح والشمس كرة من التبر سبكها جواهرجي ماهر في مصهر الكون. تنزلق بهدوء وتغيب تتعدد الألوان في الأفق بين لون الذهب، اللون الوردي واللون الأرجواني وعلى أعلى قمم الهقار "التاهات أتاكور" و "إلامان" وقمم الهقار الأخرى تختلط تلك الألوان السماوية بلون الصخر البني فيزداد المنظر غرائبية وإدهاشا. القمم دائما تُتعِب وتوجع الدماغ. الرجولة والشهامة والجوهر قمم مثل قمم الجبال من يصعد إليها يدفع من عرقه وصحته وفكره وروحه لكنه يأبى النزول يعاف المستنقعات والحضيض، وفق ما يكتب إبراهيم مشارة.

 

لعلها الفطرة أو لعلها التلقائية لعلها الحميمية أو لعلها النظرة العميقة بلا رتوش ولا مساحيق  لعله التخلص من أمراض الحضارة وأدران التمدن.

يتكفن الذاهب إلى الصحراء برمالها ويموت موتا رمزيا لإنسان أتخمته الحضارة وسرطنته المدنية ونهش قلبه القلق والوحشة والإحساس بالغربة فصلب على عقارب الساعة بفائض قيمتها ويولد هناك كائنا طبيعيا فطريا ينام على الرمل ولا يرى في ذلك إخلالا بآداب النوم ويضع فمه في ضرع الناقة ولا يرى في ذلك نقيصة لحقت به ويعانق الآخر المختلف ولا يرى فيه دونية.

تبدو الصحراء جميلة في أعيننا تهيئ لنا ساعات خلوة مع النفس وتحرر من الحضارة ومن المنعكسات الشرطية التي صنعتها لنا حياة الرقمنة والحوسبة والصورالثلاثية الأبعاد وشبكات التواصل الاجتماعي. تلك العوالم الافتراضية التي صنعت لنا دنيا من الوهم وعالما

جديدا من الخرافات التقنية سيضاعف من أعبائنا وسيكون الثمن باهظا.

 

انتعل خفّك

وادعس رملا

لم تطأه قدم أيّ عبد..

أيقظ روحك..

تذوّق ينابيع

لم تحم حولها أيّة فراشه..

انصب خيمتك في الآفاق الممتدة..

حيث لم يترك فينيقيّ أثرا له..

حيث لم تحلم أية نعامة بإخفاء بيضها ..

إذا أردت أن تغدو حرّا

مثل صقر يحلّق في السماوات ..

الوجود معلّق بأجنحته و..العدم ..

الحياة و..الموت ..

كما يقول شاعر الطوارق محمدين خواد                                                 

 

إبراهيم مشارة

حقوق النشر: إبراهيم مشارة / موقع قنطرة 2022

 

ar.Qantara.de

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة