ولكن إلى ماذا تشير الحقائق التاريخية، كما أرى، بهذا الصدد. الحقيقة التاريخية العلمية تقول غير ذلك. لقد كان القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، قمة ما وصل إليه العصر العباسي، رغم وجود جوانب سلبية كثيرة وكبيرة فيه. (يمكن الاطلاع في هذا الصدد على الكتاب المهم للدكتور عبد العزيز الدوري الموسوم " تاريخ العراق الاقتصاد في القرن الرابع الهجري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، طبعة ثالثة 1995). 

ولكن، ومنذ منتصف القرن الحادي عشر والثاني عشر حتى منتصف القرن الثالث عشر كانت الدولة العباسية في تدهور شديد من حيث الفكر والسياسة، وفي الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، وفي ارتكاب المظالم بحق الناس من جانب الخلفاء والولاة والحكام وشيوخ الدين والفقهاء المسلمين. لقد انتعشت الدولة العباسية في فترات مختلفة، ولكنها لم تخلُ من مآلم وتمييز. 

عهد الخليفة عبد الله المأمون (786-833م) تميز بالانفتاح على الثقافات والأفكار واهتم بالترجمة والتأليف. وقد برز الكثير من العلماء الممتازين في عهده. كما كان للمعتزلة دورهم الكبير في الحكم وشؤون الدين والمجتمع، لتبني المأمون رؤيتهم في هذه الأمور، ولاسيما في الموقف المعروف من خلق القرآن والصراع العنيف مع الحنابلة في هذا الصدد وممارسة الاستبداد الفكري ضد أتباع الرأي الآخر، ولاسيما ضد الحنابلة، تماماً كما مارس الحنابلة ذات الأساليب القهرية إزاء من كان يحمل راياً في تفسير القرآن أو السنة المحمدية أو عموم الفقه الحنبلي.

وفي القرن الحادي عشر، حيث أقيمت دولة السلاجقة في إطار الإمبراطورية العباسية، لعب الفقيه الكبير أبو حامد محمد الغزّالي الطوسي النيسابوري الصوفي الشافعي الأشعري (1058-1111م) دوراً تخريبياً ضد ما تحقق قبل ذاك من تطور في علوم الفلسفة والرياضيات والفيزياء وغيرها. 

إذ ناهض أي إعمال فعلي للعقل، ووقف ضد الفلسفة والمنطق والرياضيات والفيزياء وترجمة الفكر اليوناني، وضد كل ما هو عقلي وعقلاني واستقر جامداً على النقل وليس العقل، كما ناهض فكر أخوان الصفا والمعتزلة. وشاركه في هذه العمل التخريبي في الفكر العربي وفي عقول المسلمين الوزير نظام الملك، قوام الدين أبو علي الحسين بن علي بن إسحاق بن العباس الطوسي (1018-1092م)، الذي أقام مدارس المدارس النظامية التي اختصت بتدريس فقد الغزالي على نحو خاص. وكان أبو حامد الغزالي أبرز المدرسين في هذه المدارس. 

مسلمون يقيمون الصلاة في القاهرة. Artist Jean-Léon Gérôme  1824–1904 wikipedia prayer_in_cairo_1865
"قراءة الجانبين المشرق والمعتم": يرى الكاتب كاظم حبيب أنه عند الحديث عن الجانب المشرق في تاريخ العرب والمسلمين والمنجزات العربية الإسلامية الكثيرة عبر التاريخ، فإنه ينبغي "عدم إهمال الجانب المظلم في تاريخ العرب والمسلمين على امتداد القرون المنصرمة، سواء أكان ذلك في الإمبراطوريات العربية، كالدولة الأموية والدولة العباسية، أم الدولة العثمانية، وفي الدول الأخرى ذات الأكثرية المسلمة، كالدولة الفارسية ... ".

لقد بدأ عصر العتمة وخراب الدولة العباسية ودخول العصر الظلامي قبل الغزو المغولي بعقود كثيرة، إذ لولا الخراب والانهيار الداخلي في الدولة العباسية والصراعات على السلطة والمال والنفوذ الذي تفاقم في تلك الفترة وفي عهد عبد الله المستعصم بالله (أبو عبد المجيد "المستعصم بالله" عبد الله بن منصور المستنصر بالله( 1213-1258م) لما استطاع هولاكو غزو بغداد والإجهاز عليها، لقد كان غزو هولاكو بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير! إن ما حصل أثناء غزو هولاكو كان نتيجة وليس السبب في تدهور الأمة العربية والمسلمين.

"حركة تنويرية بطيئة"

الملاحظة الرابعة: لقد شهدت بلاد الشام (راجع: د. ماهر الشريف، رواد الحداثة المجتمعية والدعوة الوطنية في بلاد الشام، الحوار المتمدن-العدد: 2678 - 15 / 06 / 2009)، ومصر حركة تنويرية بطيئة ووجلة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ولكنها توقفت منذ الربع الأول القرن العشرين تقريباً ودفنت على عجل ولم تنتعش حتى الوقت الحاضر، رغم وجود بعض المظاهر المدنية التي تشكل جزءاً من مفهوم وعناصر عملية التنوير المجتمعية. 

في المجتمعات العربية توجد نسبة مناسبة من المثقفين المتنورين الذين يسعون إلى نشر التنوير، ولكنهم حتى الآن عاجزون عن إنجاز ذلك. وهذا العجز لم ينشأ عن عجز الأشخاص أنفسهم، أي ليس لعجز شخصي في المواطن المثقف في الدول العربية، بل في طبيعة علاقات الإنتاج السائدة في الدول العربية والدول ذات الأكثرية المسلمة، في تخلف بنية الاقتصاد الوطني في كل منها، وفي البنية الطبقية المشوهة للمجتمع الناجمة عن الواقع الاقتصادي، والتي تتجلى بشكل واضح في وعي الإنسان وقدرته على إعمال العقل لفهم واقعه وما يحيط به وما يفترض تغييره. 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : هل بدأ التنوير أصلا في العالم العربي؟

من مكرورات بعض النخب العربية/العروبية، ما بقوله الكاتب، جازماً: "ولا يمكن أن يمنع دين المسلمين تحقيق عملية تنوير هذه المجتمعات، كما عجزت الديانات الأخرى منع ذلك. فالديانات كلها متماثلة من حيث الجوهر وتلتقي عند نقطة مركزية واحدة، موقفها المناهض للعلم وإعمال العقل والتفكير الفلسفي الحر.."؛
وهو قول يغفل الفارق الجوهري بين الاسلام وبين باقي دينات البشر- ومنها شقيقتاه اليهودية والمسيحية. فالأولى غير تبشيرية، والثانية تقوم داخلياً على مبدأ الاعتراف، بما يحف به من عناصر الندم حضور الضمير. وخارجياً تقوم على المحبة والتسامح والغفران حتى للأعداء. أما الاسلام فلا يكون الا بتلازم المصحف والسيف( العقيدة مطبقة بالقوة، عبر فرض الشريعة الاسلامية بدلاً عن قوانين البشر)؛ وعلى مساحة المعمورة-أرض الله.

Ali Deep10.09.2018 | 22:10 Uhr