"واقع مرير

لا شك في أن هذا الواقع المرير لا يشكل كل المشهد السياسي والاجتماعي في هذين العالمين، ولكنه ما يزال المهيمن على الساحة السياسية وبيده السلطات الثلاث في كل الدول العربية الشرق أوسطية والدول الأفريقية ذات الأكثرية المسلمة، إضافة إلى كل من إيران وتركيا وباكستان على نحو خاص، إلا إن المقاومة لهذه القوى المتطرفة وهذه النظم السياسية الدكتاتورية والثيوقراطية من جانب القوى الديمقراطية، وبضمنها الفئات المثقفة المتنورة وفئات البرجوازية الوطنية الصناعية وجمهرة من كادحي المدن والريف، ما تزال ضعيفة ولم ترتقِ إلى المستوى الذي تشكل فيه تهديداً لتك النظم.

وبالتالي فالحديث عن عملية تنوير واسعة تشمل شعوب هذه الدول ما تزال بعيدة المنال وتستوجب توفير مستلزمات كثيرة ووقت غير قصير لبلورة جديدة لأساليب النضال التي يفترض أن تخوضها قوى التقدم والديمقراطية والعلمانية والتنوير في المجتمع ومع البشر مباشرة. ولا شك في أن هذه العملية قابلة للتحقيق، سواء أطال الزمن أم قصر. 

صورة رمزية - الربيع العربي - سوريا ، مصر ، ليبيا ، اليمن ، تونس
"اختطاف الربيع العربي": يرى كاظم حبيب أنه منذ ما يزيد عن أربعة عقود والعالمين العربي والإسلامي يعيشان في وضع ردَّة فكرية وسياسية واجتماعية عميقة تشتد من حيث العمق والشمولية سنة بعد أخرى، حتى وصل الوضع إلى ما هو عليه واقع هذين العالمين في الوقت الحاضر، رغم المحاولات الجادة للمثقفين المتنورين وحركة شعبية متباينة في عمق مضامينها تفرض نفسها على هذا الواقع بين الحين والآخر، كما حصل فيما أطلق عليه بالربيع العربي والذي اختطف، في الغالب الأعم، بسرعة من قوى الردّة ذاتها، وبضمنها قوى الإسلام السياسي الرجعية والمتطرفة والعسكر.

ولا يمكن أن يمنع دين المسلمين تحقيق عملية تنوير هذه المجتمعات، كما عجزت الديانات الأخرى منع ذلك. فالديانات كلها متماثلة من حيث الجوهر وتلتقي عند نقطة مركزية واحدة، موقفها المناهض للعلم وإعمال العقل والتفكير الفلسفي الحر.. سواء أكان هذا الدين يهودي أم مسيحي أم إسلامي، أم غيرها. وهي، رغم جوهرها المشترك، يحاول بعضها نفي البعض الآخر على مدى القرون المنصرمة. 

ورغم ذلك استطاعت البشرية أن تفرض عملية تنوير عميقة وواسعة في المجتمعات الأوروبية والغرب عموماً، وإن تباين مستوى التنوير، بمفرداته الكثيرة، في المجتمعات ذات الأكثرية المسيحية أو اليهودية، وعجزت البشرية حتى الآن عن تحقيق ذلك في المجتمعات ذات الأكثرية المسلمة، ولكن هذا لا يعني إنها غير قادرة على تحقيق ذلك في المستقبل شريطة أن يرتبط، كما ارتبط في الغرب المسيحي، بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية وفي الوعي الفردي والجمعي، التي سهلت عملية الانتقال من العتمة إلى النور، ومن الظلمات إلى مجتمع الأنوار أو التنوير. 

الغالبية المسلمة لا تزال تعاني من هيمنة الرؤية الدينية الجامدة المتكلسة التي عمرها أكثر من 1400 سنة حتى الوقت الحاضر، رغم حركة الزمن، أو ما أطلق عليه الدكتور فالح مهدي بصواب "العقل الدائري" في كتابه الموسوم "نقد العقل الدائري"، (الدكتور فالح مهدي، الخضوع السني والإحباط الشيعي، نقد العقل الدائري، بيت الياسمين للنشر والتوزيع، القاهرة – جمهورية مصر العربية، الطبعة الأولى 2015)، حيث وضع إصبعه على الخلل في الفكر والتفكير، والذي حاولت الإشارة إليه في متن هذا المقال.                      

وأخيراً، فقد وفَّر لنا الأستاذ حسن العاصي مشكوراً فرصة المشاركة في النقاش حول موضوع حيوي وأساسي في منطقة الشرق الأوسط، والذي آمل أن يتسع النقاش ليساهم في نشر الفكر التنويري في مجتمعاتنا الراهنة.

 

 
 
 
كاظم حبيب
حقوق النشر: كاظم حبيب / موقع قنطرة 2018
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : هل بدأ التنوير أصلا في العالم العربي؟

من مكرورات بعض النخب العربية/العروبية، ما بقوله الكاتب، جازماً: "ولا يمكن أن يمنع دين المسلمين تحقيق عملية تنوير هذه المجتمعات، كما عجزت الديانات الأخرى منع ذلك. فالديانات كلها متماثلة من حيث الجوهر وتلتقي عند نقطة مركزية واحدة، موقفها المناهض للعلم وإعمال العقل والتفكير الفلسفي الحر.."؛
وهو قول يغفل الفارق الجوهري بين الاسلام وبين باقي دينات البشر- ومنها شقيقتاه اليهودية والمسيحية. فالأولى غير تبشيرية، والثانية تقوم داخلياً على مبدأ الاعتراف، بما يحف به من عناصر الندم حضور الضمير. وخارجياً تقوم على المحبة والتسامح والغفران حتى للأعداء. أما الاسلام فلا يكون الا بتلازم المصحف والسيف( العقيدة مطبقة بالقوة، عبر فرض الشريعة الاسلامية بدلاً عن قوانين البشر)؛ وعلى مساحة المعمورة-أرض الله.

Ali Deep10.09.2018 | 22:10 Uhr