قراءة لكتاب "سيلفي مع الشيخ" – النسخة العربية

تنوع الطوائف الإسلامية بعيون ألمانية

في مقابل صور محددة ومؤطرة رُوِّجَ لها عن المجتمعات العربية والإسلامية يقدم كتاب الألماني كريستوف بيترز "سيلفي مع الشيخ" صورا متنوعة عن عادات وتقاليد وطقوس دينية وحياة معاصرة في دول عربية وإسلامية عديدة حتى أن كل طائفة واحدة تختلف باختلاف بلدها ومجتمعها. إسلام أنور قرأ الكتاب لموقع قنطرة.

يحتوي كتاب "سيلفي مع الشيخ" الصادر في نسخته العربية عن دار العربي للنشر بالقاهرة، بترجمة مجموعة من المترجمين الشباب، على أربعة عشر قصة، تدور أحداثها في أماكن جغرافية مختلفة بدءًا من مصر، مرورًا بالمملكة العربية السعودية، وباكستان، وصولًا إلى تركيا، وغيرها من الدول العربية والإسلامية.

تمزج قصص بيترز بين أدب الرحلات، والتقرير الصحفي، والخيال القصصي، عبر هذا الأسلوب الموضوعي إلى حد بعيد، لا يفرض الكاتب مشاعر محددة على القارىء، بقدر ما يقدم وصف دقيق للأحداث التي يعيشها أبطاله، ويترك مساحة واسعة للتأمل، والتفكير، والتساؤل تجعل من القارئ شريكًا في النص وليس مجرد متلقيًا سلبيًا.

كما تعكس كتاباته علاقة وطيدة بالثقافة العربية والإسلامية، من خلال روابط أسرية وتجارب حياتية عاشها على مدار سنوات، مما يمنح قصصه روحًا خاصة بما تتضمنه من خبرات شخصية، وأسئلة، وتأملات عديدة عن الأفكار والقيم التي نتبناها، وعن تصوراتنا المسبقة تجاه الآخر، وعن السفر، والهوية، والحب، والذاكرة، والأحلام.

قاهرة المُعِزّ - مدينة الألف مئذنة أصبحت الآن مدينة العشرين مليون نسمة

رغم أن أحداث القصص تدور في مدن عربية وإسلامية متنوعة، إلا أن الكاتب يختص العاصمة المصرية القاهرة، ليقدم بها مجموعته القصصية. يفتتح بيترز كتابه بمقدمة بعنوان "السكون في القاهرة" -  وهو أمر نادر الحدوث-   فالقاهرة طالما عرفت بكونها المدينة التي لا تنام، فأجواء منتصف ليلها تشبه أجواء الظهيرة في عواصم أخرى.

 

 

"القاهرة خاوية.. لا سيما في كل الأماكن التي يتزاحم فيها السياح في العادة" انطلاقًا من هذه اللحظة الفارقة في تاريخ المدينة وتاريخ المجتمع المصري ككل، بالتزامن مع نجاح ثورة 25 يناير 2011، ووصول رئيس جديد للحكم ينتمي للتيار الإسلامي، يتأمل بيترز علاقته بمدينة القاهرة الممتدة على مدار ربع قرن، كيف بدأت، وتطورت، وإلى أين وصلت؟

"عندما أتيتُ إلى هنا لأوَّل مرَّة؛ أي قبل خمسة وعشرين عامًا، كانت القاهرة خاويةً أيضًا. وقتها، كانت نشرات الأخبار تمتلئ بحوادث دامية؛ بسبب إرهاب "الجماعة الإسلامية"، وغيرها من الجماعات، ما تسبَّب في بثِّ الخوف في قلوب الجميع، خاصة الأمريكان والألمان؛ نظرًا لأن الخوف هو الإحساس المُفضَّل لديهم، الأمر الذي ترتَّب عليه أن أصدر مبارك الأمر بحبس بضعة آلاف أغلبهم من الشباب في المقام الأول، كثيرون منهم قُبض عليهم بناءً على اشتباه محض، حتى عاد الهدوء ليسود مرَّة أخرى، وبدأ السُّيَّاح يعودون تدريجيًّا. ثم جاءت الثورة. وبغضِّ النظر عن السؤال عن مدى صحة أو خطأ الثورة الشعبية، فقد كانت توابعها مفزعة ومرعبة للغاية على المسافرين ومنظمي الرحلات".

الحداثة والأصولية

يشير بيترز من خلال مقدمته إلى الكثير من التعقيدات والتشابكات، الاجتماعية، والسياسية، والدينية، والاقتصادية التي تحكم المجتمع المصري، ومعظم المجتمعات العربية والإسلامية، والتي غالبًا ما يغفلها، أو لا يفهمها المجتمع الغربي، فمعظم المجتمعات العربية، وخاصة المجتمع المصري تعيش منذ قرنين تناقضات، وتحديات عديدة مرتبطة بسياق الحداثة، وما يطرحه من أسئلة حول شكل الدولة، ونظام الحكم، والقوانين، والديمقراطية، ودور الدين في الدولة، ومساحة الحرية، والأدوار الاجتماعية للرجل والمرأة، وغيرها من الأسئلة التي لم يتم التوافق المجتمعي حولها، مما جعلها عرضة للانفجار في أي وقت.

الغلاف الألماني لكتاب "سيلفي مع الشيخ" للمؤلف الألماني كريستوف بيترز.
"الإسلام والمسلمون ليسوا ثقافة واحدة": الخوف من الآخر هو أحد أكثر المعاني المتكررة على مدار قصص الكاتب الألماني كريستوف بيترز في كتابه "سيلفي مع الشيخ"، والمفارقة في قصص بيترز أن هذا الخوف ليس مقتصرًا على علاقة الأشخاص المنتمين لثقافات، أو ديانات، أو مجتمعات مختلفة، ولكنه ممتد للأشخاص من أبناء الديانات، والثقافات الواحدة، فبينما قد ينظر الآخر إلى أن الإسلام والمسلمين يعبروا عن ثقافة واحدة، إلا أن قصص بيترز تخبرنا عكس ذلك، فبداخل الإسلام طوائف متعددة مثل: السنة، والشيعة، والصوفية، وغيرهم من الطوائف، لكل منهم نظرته الخاصة للدين وللحياة، وكذلك كل طائفة تختلف في طقوسها من بلد لآخر ومن مجتمع للآخر، وهو ما يجعل كل طائفة غريبة عن الأخرى.

"أنا شخصيًّا أُفضِّل منذ وقت طويل السير على الأقدام في القاهرة، لا سيما لساعات طويلة، ووحدي تمامًا دون هدف محدد، حيث أَدَعُ نفسي تسوقني، فأشاهد ما هو كائن على الطريق، وأرى الناس وهم يعيشون، كما أراقب نفسي أثناء المشاهدة. يتحدث إليَّ أحدهم أحيانًا – ربما لأنه يرغب في اصطحابي إلى محل أحد أعمامه، وربما أيضًا لأنه لديه الرغبة في تجاذب أطراف الحديث مع شخص أجنبي، فيعرف شيئًا عن نظرتي على بلاده، أو ليحكي لي أنا الشخص المُحايد عن الوضع الحالي في مصر فيما يخص السياسة والاقتصاد، بل وجميع الأمور. وهكذا، أسمع كثيرًا حكايات لا يمكن أن أجدها في أي صحيفة ألمانية، كما أواجه منظورات لم أكن لأتعرف عليها من تلقاء نفسي".

يكمل بيترز سرده وصفًا مشاهد الحياة في القاهرة بكل ما تحمله من تناقضات، وتداخلات، وزحام، وطبقات متراكمة من التاريخ، فمدينة الألف مئذنة كما كان يطلق عليها قديمًا، أصبحت الآن مدينة العشرين مليون نسمة، مدينة الصخب، والضباب، والأتربة، والسياحة، والفن، والتسوق، إلا أن كل تلك التناقضات يراها بيترز معبرة عن روح وخصوصية المدينة المُغرم بها "وفرة الفائض تلك، والإفراط التام في القاهرة هي – تحديدًا - التي تجعلني أشعر بالهدوء بطريقة غريبة".

"أصطحب أحيانًا مجرد صور.. سيدة شابة تجلس في مقهى للشيشة أمام جهاز اللابتوب الخاص بها ذي الملصقات الملونة، وهي تمتص من مبسم وردي اللون يبدو كما لو أنه جاء من محطة فضاء مستقبلية.. طالب إندونيسي بجامعة الأزهر ربما يكون مُستجدًّا هنا يبحث عن الزاوية المناسبة لالتقاط صورة سيلفي وهو في أول صلاة جمعة؛ ثلاث نساء خليجيات يرتدين النقاب الأسود ويتناقشن أمام نافذة عرض متجر "فيكتوريا سيكريت" بمركز تسوق فاخر عن إحدى قطع الملابس الداخلية.

أو ذلك الرجل المُسن ذو الوجه الذي لفحته الشمس والعمامة والجلابية، الذي يجلس على كرسي من البلاستيك في الشارع ليراقب مرور الوقت. ووسط كل هذا، تتحرك الكلاب الحاضرة في كل مكان باستقلالية وسط كل هذا – حيث تشكل مجتمعًا في حد ذاته موجودًا في قلب عالم البشر وإلى جواره وتخضع لقوانينها الخاصة، ولا يشكل لهم من لا يزال يحكم البلد أي فارق".

 الخوف من الآخر

واحدة من أكثر المعاني المتكررة على مدار قصص المجموعة هو الخوف من الآخر، والمفارقة في قصص بيترز أن هذا الخوف ليس مقتصرًا على علاقة الأشخاص المنتمين لثقافات، أو ديانات، أو مجتمعات مختلفة، ولكنه ممتد للأشخاص من أبناء الديانات، والثقافات الواحدة، فبينما قد ينظر الآخر إلى أن الإسلام والمسلمين يعبروا عن ثقافة  واحدة، إلا أن قصص بيترز تخبرنا عكس ذلك.

فبداخل الإسلام طوائف متعددة مثل: السنة، والشيعة، والصوفية، وغيرهم من الطوائف، لكل منهم نظرته الخاصة للدين وللحياة، وكذلك كل طائفة تختلف في طقوسها من بلد لآخر ومن مجتمع للآخر، وهو ما يجعل كل طائفة غريبة عن الأخرى.

"كانت جامعة المنيا قد دعت "يانسن" لإلقاء محاضرة عن الطرق الصوفية الحديثة في تركيا، تحدث فيها عن الطرق المختلفة لها؛ النقشبندية ذات التوجه القومي العثماني الجديد، والتي تشجِّع على إعادة بناء مجتمع تقي، ودراويش المولوية الذين يعلقون في تكيتهم صورة أتاتورك بجانب صورة جلال الدين الرومي ويمارسون فيها رجالًا ونساءً الرقصة الدائرية التقليدية للدراويش، والشيوخ أصحاب الفكر المتحرر الذين جمعوا بين علم النفس الغربي وطرق التأمل القديمة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة