عمال وافدون أثناء عملهم في إنشاء أحد إستادات كأس العالم وفي الصورة تظهر ناطحات السحاب في الدوحة. (أرشيف 21 /12 /2014).

كأس العالم في قطر
ما هى علاقة "الاستشراق" بمونديال قطر؟

تباينت الأرقام حول وفيات مزعومة حدثت في قطر لعمال وافدين مرتبطة باستضافتها كأس العالم لكن من الصعب الخروج برقم محدد ورغم ذلك انتشرت بعض الأرقام أكثر من غيرها. استعلام مات فورد عن الأسباب.

في خضم التقارير الصحافية والانتقادات لأوضاع حقوق الإنسان في قطر قبل انطلاق كأس العالم، انتشر رقمان على وجه الخصوص كانا يشيران إلى عدد الوفيات المزعومة للعمال الذي لقوا حتفهم بسبب العمل في منشآت المونديال.

ورد الرقم الأول وهو 6500 حالة وفاة في تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية أما الرقم الثاني وهو 15 ألف وفاة فجاء في تقرير لمنظمة العفو الدولية استنادا على إحصائيات قطرية رسمية.

وللوقوف على حقيقة ذلك، قامت دي دبليو بالتحقق من مصدر وصحة الرقمين بالإضافة إلى التعريفات، التي يستند إليها الرقمان، وذلك في تقرير تقصي حقائق شامل، لكن على الرغم من ذلك فإن الضرر قد وقع بالفعل في نواحٍ عديدة.

وقد هيمن الرقمان على المناقشات العامة حول قطر ونهائيات كأس العالم بها، وأيضا كان لهما تأثير على وجهات النظر سواء بالدولة الخليجية أو المونديال على الأقل في الدول الغربية وبخاصة في أوروبا. ويأتي ذلك، رغم أن هذين الرقمين لم يكونا دقيقين بشكل كبير أو على أقل تقدير جرى إخراجهما من سياقهما.

كيف ولماذا حدث ذلك؟ زخم منصات التواصل

قد يكون الرقم 6500 أو بشكل دقيق 6751 حالة وفاة، الرقم الأكثر شهرة وقد ورد في تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية التي تحظى بسمعة جيدة في فبراير / شباط العام 2022.

وجاء الرقم في تقرير تحت عنوان: "الكشف عن وفاة 6500 عامل وافد في قطر التي تتأهب لكأس العالم"، لكن جرى تعديل العنوان لاحقا ليأتي بهذه الصيغة: "وفاة 6500 عامل وافد في قطر منذ منحها حق استضافة كأس العالم".

وبحسب تحليل قام به الباحث المقيم في قطر مارك أوين جونز والمتخصص في مجال المعلومات المضللة على منصات التواصل الاجتماعي في الشرق الأوسط، فإن هذا التقرير لم يكن فقط أكثر التقارير المكتوبة باللغة الإنجليزية انتشارا على موقع تويتر عند التطرق إلى مونديال كأس العالم 2022، بل نجم عنه إعادة نشر الرقم "6500" أكثر من 400 ألف مرة، ارتباطا بكلمة "قطر"، حتى شهر أكتوبر / تشرين الأول عام 2022.

 

 

مقال دويتشه فيله، "دي دبليو تتحقق.." عن عدد العمال الذين لقوا حتفهم خلال العمل في منشآت كأس العالم، وفي الواقع أيضا مقال صحيفة الغارديان، كشفا بكل وضوح من أين جاء هذا الرقم (6500 حالة وفاة) وعلى ما يستند، وما الذي يتعلق به وما الذي ليست له علاقة به.

ومع ذلك، كشف التحليل الذي قام به جونز عن أنه في غضون 24 ساعة، جرى إساءة تفسير هذا الرقم، فيما تم نشره بلغات عدة، فبالإضافة إلى الإنجليزية، نُشر أيضا بالإسبانية والفرنسية والهولندية على نحو أنه يشير بشكل صريح إلى حدوث وفيات العمال الأجانب في "المواقع المرتبطة بكأس العالم".

ويرجع جونز ذلك بشكل جزئي إلى أسلوب الاستعارة، الذي تنتهجه بعض وسائل الإعلام الغربية عند قيامها بالتغطية الصحافية عن قطر ودول الخليج في السنوات الأخيرة.

وفي مقابلة مع دويتشه فيله، قال: "منذ عام 2010، ثمة سرد ثابت حيال انتهاكات حقوق العمال في قطر ومنطقة الخليج ومن الواضح حدوث ذلك. إنها تعد مشكلة حقيقية للغاية. وهذا يعني أنه عندما نُشر الرقم 6500، فإن الجمهور كان متأهبا لقبول ذلك إلى حد كبير. وعندما يأتي الحديث عن ذلك في سياق كأس العالم، فإن الجمهور يربط ذلك بملاعب (كأس العالم)".

 

لقطة شاشة (سكرين شوت) لمقال صحيفة الغارديان البريطانية عن الوفيات المزعومة لعمال منشآت كأس العالم في قطر. The Guardian about Qatar Screenshot
لقطة شاشة (سكرين شوت) لمقال صحيفة الغارديان البريطانية عن الوفيات المزعومة لعمال منشآت كأس العالم في قطر - في عصر التواصل الاجتماعي فإن الجمهور لا يقرأ التقارير كاملة: بحسب تحليل قام به الباحث المقيم في قطر مارك أوين جونز والمتخصص في مجال المعلومات المضللة على منصات التواصل الاجتماعي في الشرق الأوسط، فإن تقرير صحيفة الغارديان البريطانية لم يكن فقط أكثر التقارير المكتوبة باللغة الإنجليزية انتشارا على موقع تويتر عند التطرق إلى مونديال كأس العالم 2022، بل نجم عنه إعادة نشر الرقم "6500" أكثر من 400 ألف مرة، ارتباطا بكلمة "قطر"، حتى شهر أكتوبر / تشرين الأول عام 2022. ويضيف: "الرقم ستة آلاف وخمسمائة يعد ضخما ويجذب الانتباه، لذا فإن السبب الوحيد لوضع هذا الرقم يتمثل في الإثارة. آخر شيء يمكن توقعه هو أن الأمر كان يحمل في طياته حيلة خبيثة، لكن في عصر التواصل الاجتماعي فإن الجمهور لا يقرأ التقارير كاملة، لذا فإن هذا الاختيار كان تصرفا غير مسؤول".

 

العنوان - صياغة غير صائبة

وقال جونز إنه قد يتفهم أن مثل هذه التفسيرات (الخاطئة) قد تكون منطقية، لكنه في المقابل لا يتفهم بنفس القدر سبب اختيار صحيفة الغارديان للعنوان الأول في بادئ الأمر والذي جرى تعديله لاحقا.

وأضاف "الرقم ستة آلاف وخمسمائة يعد ضخما ويجذب الانتباه، لذا فإن السبب الوحيد لوضع هذا الرقم يتمثل في الإثارة. آخر شيء يمكن توقعه هو أن الأمر كان يحمل في طياته حيلة خبيثة، لكن في عصر التواصل الاجتماعي فإن الجمهور لا يقرأ التقارير كاملة، لذا فإن هذا الاختيار كان تصرفا غير مسؤول".

بالنسبة للمدير المؤسس لمنظمة "فير سكوير" الحقوقية، نيكولاس ماكجيهان، فإن تقرير الغارديان يعد عملا صحافيا صحيحا وهاما، لكن رغم ذلك يتساءل حيال قرار وضع رقم 6500 في العنوان.

وأضاف "الانتقاد الوحيد لهذا التقرير سيكون أنه كان بالإمكان –أو ربما كان يجب عليهم– إدراك أنه من المحتمل إساءة تفسير هذا الرقم بالنظر إلى حرب المعلومات والتضليل المعلوماتي".

وفي هذا الصدد، يقدم ماكجيهان اقتراحا بأن القصة ذات الصلة كانت تتعلق في الواقع بنسبة 69 بالمائة من الوفيات، التي يُقال رسميا (في قطر) إنها "لأسباب طبيعية"، لذا فإنه في ظل عدم إجراء تشريح سليم، فإن الأمر يتطلب المزيد من التوضيح والتفسير.

وأضاف "كان أمام الغارديان الاختيار، لكنهم في نهاية المطاف اختاروا الرقم 6500 لأنه يسد فجوة مشروعة في المعلومات المتوافرة إبان نشر التقرير. وكانت هذه هي القصة. أنا لست على يقين بأن هذا الرقم كان مفيدا بشكل كبير، ورغم أنه جذب الانتباه إلى قضايا حقيقية، لكن جرى ذلك برقم غير دقيق".

وفي استفسارات سابقة لِـ دويتشه فيله عن سبب اختيار العنوان، أكد الصحافيون الذين أعدوا تقرير الغارديان على أن السياق الدقيق للرقم 6500 يعد واضحا بشكل تام لمن يقرأ التقرير.

 

 

معلومات مضللة بدافع من العنصرية؟

أما الرد القطري الرسمي حيال أرقام وفيات العمال الوافدة فتمثًّل في توجيه اتهام لوسائل إعلام غربية وعشاق الساحرة المستديرة في الغرب عموما بالإسلاموفوبيا والتأثر بكلام المستشرقين.

هل يفسر ذلك المدى الكبير لانتشار هذه الأرقام؟

عن ذلك، قال جونز "أعتقد أن الأمر يتضمن شيئا من ذلك. فأحد المبادئ الأساسية للاستشراق يتمثل في الاعتقاد بأن العالم غير الغربي أو غير الأوروبي هو أكثر وحشية وبربرية، لذا فإذا كان القارئ يعتقد أن هناك شيئا من الوحشية في تلك المنطقة، فمن المرجح أن يكون أكثر قبولا للاعتقاد بأن هذه الأرقام حقيقية".

لا يشكك ماكجيهان في حقيقة أن هناك نظرة استشراقية وعنصرية لدى العالم الغربي ووسائل الإعلام الغربية تجاه المنطقة، لكن يرى أن مثل هذه الاتهامات قد تشتت الانتباه بعيدا عن القضايا الحقيقية.

وأضاف "أعتقد أن هناك بعض الهراء إزاء ما يطرحه بعض الأكاديميين في قطر والذي تنشره الآن أيضا السلطات القطرية نفسها. هل هناك نظرة استشراقية وإسلاموفوبيا في الغرب؟ بالطبع هناك. وهل تأثرت تغطية كأس العالم بقوالب نمطية تعتبر إشكالية؟ نعم، كانت كذلك".

وتابع قائلا: "لكن لا ينبغي أن يصرف ذلك الانتباه بعيدا عن النقد المباح والتغطيات الصحافية حول قطر والتي كانت، من وجهة نظري، تقارير جيدة جدا ودقيقة جدا، قام بها أشخاص يحاولون بصدق فهم الأمور".

 

 

"المونديال في الشتاء - ليس انتقادا سليما"

ويرى مراقبون أن بعض الانتقادات من قبل مشجعي الساحرة المستديرة في أوروبا لم تكن في محلها خاصة في ألمانيا، حيث جرى تدشين حملات احتجاج ضد مونديال قطر يقف وراءها روابط ومبادرات ذات دور في مناهضة العنصرية والتمييز.

ورغم ذلك، قال نديم راي، وهو خبير كروي سوري-ألماني متخصص في عالم كرة القدم في الشرق الأوسط وثقافة المشجعين، خلال حلقة نقاشية نظمها المتحف الألماني للرياضة والألعاب الأولمبية بمدينة كولونيا، إن الأمر يعتمد على الحجج المستخدمة.

وفي مقابلة مع دويتشه فيله، قال "عندما يقول الناس في أوروبا إن مشكلة مونديال قطر تكمن في أنه يُجرى في الشتاء ما يعني أن الناس يشاهدون منافسات كأس العالم في أسواق الكريسماس، أعتقد أن هذه ليست حجة صحيحة".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة