كامل عبد الرحيم – مدوِّن باحث عن الأمل في السياسة

مدوِّن عراقي مخضرم: نحن بحاجة إلى أنسنة هذا العالم الوحشي

كامل عبد الرحيم عراقي لم يكن يعرفه أحد خارج دوائر اليسار، لكنه بدأ بالنشر في فيسبوك منذ عام 2015، وبات جمع كبير من الناس يترقبون منشوراته الثورية. ملهم الملائكة التقى في بغداد مَن وصف نفسه في النهاية بأنه "حالم" بعد أن عرفه على فيسبوك، وحاوره لموقع قنطرة.

للوهلة الأولى تخاله يسارياً متطرفاً، لكن حين يقترب منه المرء يراه رافضاً لكل شيء ومحتجاً على كل شيء ومع ذلك فهو يتعايش مع كل شيء، لذا لم يترك العراق رغم عمره البالغ 66 عاما، لكنه لم يؤدِ الخدمة العسكرية، التي سحقت رجال العراق على مدى أربعة عقود. 

في مقهى نازك الملائكة بالكرادة الشرقية انتبذتُ مع كامل عبد الرحيم طاولة وبقينا نتحاور في مساحة فسيحة من الحديث. سألتُهُ كيف يحبّ أن أصفه، وماذا عن تاريخه الأدبي أو السياسي فقال:

***

كامل عبد الرحيم: أنا ببساطة مدوّن على صفحات التواصل الاجتماعي، لم أنشر شيئا قط في أي مكان قبل عام 2015، بسبب مواقفي من وسائل نشر النظام السابق، فصوت الإنسان ليس مجانيا. قبل السقوط لم أتمكن من النشر في عهد النظام السابق، وبعد النظام لم أنشر في عصر الفوضى. ولم أكن من المحظورين في عهد النظام السابق، لكن كانت الكتابة مؤدلجة، من يكتب في الصحف الصفراء (صحف النظام السابق) توضع عليه علامة إكس.

حتى في طريق الشعب (الصحيفة الرسمية للحزب الشيوعي العراقي) لم أكن أنشر لأنها صحيفة حزبية، صحيفة الحزب الواحد، صحيفة تعبوية لا يمكن لمن مثلي أن يكتب فيها، لذا لم أكتب في الفكر الجديد وطريق الشعب والثقافة الجديدة، لأنها صحف ومجلات حزبية. بشكل عام كان المهم بالنسبة لنا البقاء على حافة الحياة. ومنذ عام 2015 صدرت لي 3 كتب هي:

ابن اليهودي. رواية

أجيد المسيرة وحيداً. ديوان شعر

كتابات ضد التيار. بوستات فيسبوك (ولعل هذا يؤشر لوناً جديدا في الكتابة، هو بوستات مواقع التواصل الاجتماعي التي جمعها كامل عبد الرحيم ونشرها في كتاب).

إذا أنتَ بقيتَ رافضا للمتاح فستكون واقفا على حافة المجتمع وفي هامش الحياة وليس في خضمه؟

كامل عبد الرحيم: في الثمانينيات والتسعينيات كان التجنيد الإجباري، حيث كان العراقي مشروعاً للقتل، مشروعا للتعبئة لأفكار النظام السابق. كان همّنا البقاء على قيد الحياة، هل يعني هذا وقوفا على هامش الحياة؟

هل تقول أنّك لم تمشِ إلى الحرب في عصر صدام حيث ذهب الجميع، كيف جرى هذا؟

كامل عبد الرحيم: مثلما استطعت ألاَّ أكون بعثياً، استطعت ألاَّ  أؤدي الخدمة العسكرية، ومع نفسي أقول من باب السخرية: "اثنان لم يخدما العسكرية في العراق، أنا وَ عُدَيّ صدام حسين".

أين تقف بالضبط وأنت ترفض الجميع؟

كامل عبد الرحيم: نحن جيل الرماد، وليس جيل المرحلة الرمادية، نقف حيث نقف، والتصنيفات لا توصف حالتنا، لكن هروب المناضلين إلى الخارج آنذاك، مهما كانت أسبابه، لا يضعهم ضمن وصف الرماد، (لأنهم عاشوا مترفين بعيداً عن هموم الوطن وانسحاق الشعب). بمعنى أنهم لم يكونوا مناضلين.

وماذا عن الانتفاضة عام 1991؟

كامل عبد الرحيم: الموضوع كان عفوياً، لا تخطيط له، ولا فضل للأحزاب فيه، ربما باستثناء كردستان التي كان فيها أحزاب فاعلة. وهو رد فعل على الكرامة العسكرية المهدورة. النظام لم يثأر لكرامة الجيش المهدور، فكانت الانتفاضة فعلاً جماهيرياً واعيا، فقد تم تصفية العناصر الأمنية والحزبية بنسبة تتفوق كثيراً على ما جرى في 2003. أنا ابن ذلك العصر وهذا، ولست شاهداً على العصر.

 

صورة رمزية حول الديمقراطية والديكتاتورية.
انهيار الديكتاتوريات حتمي، تروتسكي قال إنّ "الثمن الذي تدفعه الشعوب في صعود هذه الأنظمة، أقل بكثير من الثمن الذي تدفعه لدى إسقاطها أو انهيارها"، كما يذكر المدون العراقي كامل عبد الرحيم.

 

{يمكن المزاوجة بين الديمقراطية والاشتراكية، أما إنتاج الديكتاتوريين بحجة طعن الإمبريالية فهذا ينتج طغاةً جدداً وشعوباً واهمة وجائعة، كما يرى المدون العراقي كامل عبد الرحيم}

 

هل أنت معترض على التغيير في عام 2003 أم لا؟

كامل عبد الرحيم: لا يمكن أن أعترض على التغيير، أنّه منطق العصر، انهيار الديكتاتوريات حتمي، تروتسكي قال إنّ "الثمن الذي تدفعه الشعوب في صعود هذه الأنظمة، أقل بكثير من الثمن الذي تدفعه لدى إسقاطها أو انهيارها". الانهيار أكثر فداحة. ما حصل في عام 2003، كان يجب أن يكون، أما التداعيات فالشعب العراقي يتحمل جزءا منها، ولكنّ النخب تتحمل نسبة أكبر. الإدانة الرئيسية تقع على النخب الحاكمة. وقد جهدت أن أعمل لصنع التغيير، فقبل السقوط (سقوط نظام صدام حسين عام 2003) كان لديّ مكتب، نلتقي فيه ونحن مجموعة أصدقاء، أتكلم قبل 2003، وكنت مع الرأي الذي يقول الضربة حتمية". 

بعد 9 نيسان، أقمنا تنظيماً أسميناه 14 تموز، وقد احتللنا قاعة كولبنكيان (المتحف الوطني للفن الحديث)، وباتت أعدادنا بالألوف، ولكن تآمرت علينا الأحزاب المعروفة. الكل مساهمون في التغيير، لم نكن نملك رؤيا فيما يحدث، كما هو حال الحدث الآن. الفترة الظلامية التي امتدت 4 عقود غيّرت كل شيء، الكل كان يبحث عن تعويض أو ثمن. على مدى سنوات البعث، تعلمنا على فهم معين للعمل السياسي، بعد 2003 بات الموضوع ليس مجرد عطاء كما ينبغي أن يكون عليه موقف السياسي، بل بات الموضوع هو أخذ. كل شيء خضع للموازنة.

الشيوعيون لم يفكروا بـ "الأخذ" منذ عام 2003 رغم وجود قياداتهم في السلطة؟

كامل عبد الرحيم: بدأ الأخذ بالمحاصصة، حيث حصل على الحزب الشيوعي على مقعد، وقد نال السكرتير العام للحزب مقعداً في مجلس الحكم، ثم مقعداً في البرلمان لأنه ابن الطائفة الفلانية وليس لأنه شيوعي؟

ما تاريخ القيادة المركزية أو نضال الجنوب المسلح؟

كامل عبد الرحيم: الخلافات في صفوف الحزب الشيوعي العراقي قائمة منذ تأسيسه، وحمل السلاح في الأهوار له علاقة بتلك الانشقاقات في صفوف الحزب، وأهم انشقاق كان مجموعة داوود الصائغ، وتلاها الانشقاق بين وحدة القاعدة والشغيلة. والخلاف جرى بين القيادة المركزية واللجنة المركزية. وبتحصيل الحاصل مارست الكفاح المسلح اللجنة المركزية في كردستان، والقيادة المركزية مارسته على نطاق محدود جدا في الأهوار جنوب العراق. وبدأ الانشقاق بعد انقلاب 8 شباط 1963، وتنامى حتى أخذ شكل الكفاح المسلح في الأهوار.

ألم تقترب القيادة المركزية من الفكر الماوي حين ذهبت إلى جنوب العراق؟

كامل عبد الرحيم: في العراق لم يكن هناك فكر ماوي بمعنى الكلمة، بل فكر جيفاري، ولم تكن في البلد تجربة تستلهم الفكر الماوي. لقد تبلورت أفكار جادة، لكننا لسنا من هذه الأفكار. 

 

 

 

خالد أحمد زكي مثلاً كان جيفاري الفكر، وشخصية عالمية، بل إنّه كان سكرتيرا للمفكر برتراند رسل، وصديقا للمفكر الباكستاني طارق علي. متأثرا بالفكر الجيفاري خرج خالد زكي عن الصراع، وأسس جماعة كفاح الجنوب المسلح، وأرسل طلائعه للأهوار، وانتقل بعدها هو إلى الأهوار، ثم حصل الانشقاق. 

القيادة المركزية شيء، وجماعة كفاح الجنوب المسلح شيء آخر تماماً، ربما شملت قيادات كفاح الجنوب المسلح عبد الأمير الركابي الذي يدّعي أنه كان ضمنها، وكذلك رافد الكبيسي، أما مظفر النواب فكان مع الفكرة، وكان مع الفكرة حين كان معلماً في الأهوار في خمسينيات القرن العشرين، وهذا جرى قبل قيام كفاح الجنوب المسلح، وقصيدته الشهيرة "وتريات ليلة" تتحدث عن هروبه من سلطة البعث عام 1963 وعبوره إلى إيران، حيث اعتقلته السلطات الإيرانية وأعادته إلى سلطات العراق. هناك أيضا جيش التحرير الشعبي وقادته معين النهر وظافر النهر، وكلاهما استشهدا. نشط جيش التحرير الشعبي في بغداد وكردستان وحتى في سوريا خارج ثنائية اللجنة المركزية والقيادة المركزية.

نحن في عصر العولمة نشهد أممية من نوع آخر عابر للقارات، أممية يمثلها أسامة بن لادن، وأبو مصعب الزرقاوي، والظواهري، لنسمها أممية إسلامية، والبعض يسميها إرهابا. أليس هذا هو عين ما فعله جيفارا؟

كامل عبد الرحيم: أساسا تعريف الإرهاب حديث، تم استحداثه من قبل الإسرائيليين، أبو مصعب الزرقاوي بالنسبة لي هو إرهابي، بتعريفه الرسمي "الإرهاب هو قتل المدنيين غير الحزبيين لتحقيق مكاسب سياسية". تروتسكي كان له كتاب اسمه "الإرهاب والشيوعية"، كان استباقا يتحدث عن مفهوم الإرهاب بوصف الحرب الشعبية؟

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : مدوِّن عراقي مخضرم: نحن بحاجة إلى أنسنة هذا العالم الوحشي

لاجديد، اليساريين متعلقين دائما بنظرية المؤامرة. كل ما يجري من إرهاب دولي عابر للقارات، "لتبرير حرب اسرائيل على الفلسطينيين"؟؟ إنها ذرائع اليسار التي لا تنتهي، كما ان الرجل عتيق جدا لدرجة انه يتحدث بلغة القومجية "الكيان الصهيوني". لم أسمع بهذا الوصف منذ عقود ! رغم ذلك، وجدت لذة في قراءة الحوار، نوع من النوستالجيا. شكرا لكم.

توفيق رشاد وفيق28.06.2019 | 21:22 Uhr

كل ما قاله اليساري المخضرم معقول، لكن غير المعقول انه لم يخدم عسكرية في زمن الحروب، وهذا سببه|، اما شراء وثيقة مرضية غالية الثمن معززة بواسطة تعفيه من الخدمة.
او القرب من سياسي كبير جدا يستطيع ان يعفيه من الخدمة، ولا يستطيع ذلك سوى صدام حسين شخصيا. فلأي من السببين اعفي السيد كامل عبد الرحيم من الخدمة؟

نبيل عبد الرحمن29.06.2019 | 16:36 Uhr

كل ما قاله اليساري المخضرم معقول، لكن غير المعقول انه لم يخدم عسكرية في زمن الحروب، وهذا سببه|، اما شراء وثيقة مرضية غالية الثمن معززة بواسطة تعفيه من الخدمة.
او القرب من سياسي كبير جدا يستطيع ان يعفيه من الخدمة، ولا يستطيع ذلك سوى صدام حسين شخصيا. فلأي من السببين اعفي السيد كامل عبد الرحيم من الخدمة؟

نبيل عبد الرحمن29.06.2019 | 16:36 Uhr

حوار جميل وثري. شكرًا للكاتب. تعلمت منه الكثير

كريم حسنين 30.06.2019 | 15:17 Uhr