تسير بالتوازي مع المثال المذكور الخطوط الفاصلة بين المذاهب الفقهية الإسلامية. تفرَّقت آراء الفقهاء فيما يعرف باسم الأحاديث الآحاد. (الأحاديث هي كلُّ ما رُوِي عن النبي من قول أو فعل أو إقرار) والحديث الآحاد هو حديث نبوي تم تواتره فقط من خلال سلسلة رواة واحدة (إسناد).

يعطي المذهب الحنفي العقلاني الأولوية للعقل (القياس) مقابل الأحاديث الآحاد. وهكذا فإنَّ الأحاديث الآحاد لا تُستخدم في المذهب الحنفي إلَّا في المسائل القانونية فقط، وهذا فقط في حالات منفردة وبشروط صارمة، بينما تُفضِّل المذاهب الفقهية الأخرى هذه الأحاديث الآحاد.

وفي هذا الصدد، ركَّز المعتزلة على محتوى الحديث بدلًا من التركيز على مصداقية سلسلة الرواة. وهكذا فإنَّ الحديث الآحاد لا يجوز له أن يتعارض -بحسب رأي المعتزلة- لا مع العقل البشري ولا مع القرآن أو السنة النبوية أو مع ممارسة السلف الصالح وإجماع العلماء.

موسى باغراتش حاصل على درجة الدكتوراه في التربية الدينية، وهو مُدَرِّس لمادة العلوم الاجتماعية والتربية المجتمعية والتربية الإسلامية والفلسفة العملية في ولاية شمال الراين- ويستفاليا الألمانية.
موسى باغراتش حاصل على درجة الدكتوراه في التربية الدينية، وهو مُدَرِّس لمادة العلوم الاجتماعية والتربية المجتمعية والتربية الإسلامية والفلسفة العملية في ولاية شمال الراين- ويستفاليا الألمانية.

تأثير دعم الحاكم السياسي على النقاشات

تجدر أيضًا في النقاشات الفقهية ملاحظة النظرية المعرفية المزدوجة عند الماتُريدية، التي ترى أنَّ مصادر المعرفة من أجل حياة ناجحة تستند بالإضافة إلى الوحي والعقل أيضًا إلى الحواس البشرية. يتوافق هذا التمييز مع نظرية المعرفة الحديثة. والأهم من ذلك أنَّ الكثير من المسلمين المحسوبين على الماتُريدية قد تبنُّوا آراء الأشعرية المحافظة فيما يتعلق بمسائل المعرفة والحرِّية والمسؤولية.

من المثير للاهتمام أيضًا كيف تم إعلان المعتزلة العقلانية من المنظور الشيعي فقهًا سنيًا. أعتقد أنَّ مثل هذه التنسيبات تُعزى إلى طرف ما من أجل المطالبة بحقوق سياسية وضمان السيادة على التفسير.

الشيء الوحيد المفقود في هذا الكتاب المهم للغاية هو مقال حول تأثير دعم الحاكم السياسي على النقاشات الفقهية. ففي نهاية المطاف دخلت ابتداءً من القرنين الحادي عشر والثاني عشر وصاعدًا الأفكارُ -التي تم تطويرها في السابق ضمن نقاشات مثيرة للاختلاف منذ القرن الثامن- إلى مرحلة جمود وباتت تتم منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا أعادة إنتاجها من قِبَل بعض الوعَّاظ والدعاة على حساب الأفكار المُبتكرة.

نظرًا إلى النزاعات الحالية، التي غالبًا ما تُستخدم فيها النماذج الدينية من أجل إضفاء الشرعية، فمن الضروري إعادة صياغة المبادئ الإسلامية مثلما حدث في الماضي ومنحها نبرات مختلفة.

إنَّ كلَّ نصّ هو مرآة لمعايير وقيم العصر الذي كُتب فيه. ولذلك فإنَّ ما كان يُعتبر في ذلك العصر غير مهم يجب أن يتم توضيحه اليوم. كيف نريد التعامل مع الروايات المعادية للمرأة أو مع الأحاديث النبوية المتعلقة بالسلطة السياسية. من الواضح جدًا أنَّ مثل هذه الأسئلة في غاية الحساسية.

وفي النهاية يبقى العمل على المصادر الفقهية ومصادر علم الكلام مهمةً معقدة. تشكيك بعض الفاعلين المحافظين اليوم في روايات المفكِّرين المسلمين التقدمية ليس ظاهرة جديدة. لكن مع ذلك فإنَّ هذا الكتاب يُبيِّن أيضًا أنَّ الفقهاء والعلماء المعترف بهم اليوم كمرجعيَّات لم يجدوا هذا القبول إلَّا من خلال إعادة النظر في الماضي. وفي ضوء ذلك فإنَّ علم الفقه -وعلم الكلام- كان دائمًا مثل علم الآثار، الذي يستمر في التطوُّر مع كلِّ اكتشاف جديد وإعادة تقييم.

يكمن التحدِّي الذي يواجهه الفقه المعاصر في تقديم مناهج تفسير تتماشى مع متطلبات التعدُّدية والتقدُّم العلمي.

المقالات المجموعة في هذا الكتاب هي دعوة للتعامل بشكل مكثَّف مع حقبة الفقه الإسلامي الكلاسيكية من أجل التفكير من جديد بالاستناد إلى هذه الحقبة المركزية في العلاقة بين العقل والنقل (الوحي) في ضوء الحداثة.

 

 

موسى باغراتش

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

مها القيسي فريموت وَ رضا حاجتپور وَ محمد عبد الرحيم (محرِّرون)، "العقلانية في الفقه الإسلامي". الجزء الأوَّل: "الفترة الكلاسيكية"، صدر عن دار نشر دي غرويتَر، في برلين، سنة 2019.

 

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة