كتاب "إعادة اكتشاف الكلاسيكيات الإسلامية"

هكذا أنقذت المطبعة تراث الإسلام النفيس من الانقراض

إصلاحيون اعتمدوا على تراث إسلامي كلاسيكي لتقويض تراث ما بعد كلاسيكي تقييدي ومتحجر. يبحث كتاب أحمد الشمسي في تسخير مفكرين ومحررين إصلاحيين قلائل أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20 لتكنولوجيا الطباعة من أجل إنقاذ نصوص إسلامية كلاسيكية غنية من انقراض وشيك. محمد وافي قرأ الكتاب لموقع قنطرة.

حين نهب جيش هولاكو بغداد في عام 1258 وسمحَ بتفشي أعمالِ النهبِ والقتلِ كانت مكتبةُ بيت الحكمةِ من الكنوز الثمينة، وهي المكتبةُ التي تُعرَفُ باسم مكتبة بغداد الكبيرة، ويُمكن القول إنها أكبرُ مستودعٍ للكتب في العصورِ الوسطى.

ووفقاً لروايةٍ رائجةٍ تحوَّلَ لون نهر دجلة إلى الأسودِ من حبرِ المخطوطاتِ التي رماها الغزاة الرحالة فيه. وقد تسبّب الغزو المغولي في سقوطِ "العصر الذهبي" للإسلامِ وأدى إلى تراجعِ التقليد الفكري العربي-الإسلامي الغني.

ومع ذلك عاش العديدُ من نجومِ هذا التقليدِ خلال الغزو المغولي وبعده، وعلى الرغمِ من تدميرِ مكتبةِ بغداد فقد نجت مجموعة كبيرة من المخطوطاتِ العربيةِ كانت محفوظةً في مكتباتٍ أخرى في كل أنحاءِ العالم العباسي.

خسارةٌ جسيمةٌ للمخطوطاتِ

بيدَ أنه منذ القرنِ الرابع عشر وحتى القرن التاسعِ عشر ساهمت عوامل أخرى في الخسارةِ الجسيمةِ لهذه المخطوطاتِ، بما في ذلك مؤلفات لا نزال نعتبرها كلاسيكيةً في شريعةِ الفكر الإسلامي اليوم.

غلاف الكتاب الأمريكي "إعادة اكتشاف الكلاسيكيات الإسلامية". (source: Princeton University Press)
يصف كتاب "إعادة اكتشاف الكلاسيكيات الإسلامية" -الصادر عن جامعة برينستون الأمريكية- التأثير الواسع النطاق للطباعةِ وصناعةِ النشرِ على المعرفةِ الإسلاميةِ. ففيه يروي أحمد الشمسي: "القصةَ المذهلة لكيفيةِ طباعةِ مجموعة صغيرة من المحررين والمفكرين الأعمالَ المنسية للأدب الإسلامي، ليؤسسوا ما أصبحَ لاحقاً الفكر الإسلامي الكلاسيكي".

ومن بين الأسبابِ التي أدّت إلى ذلك أن هذه القرون قد شهدت استبدالاً تدريجياً لتقليدٍ فكري إسلامي حيوي ليحلّ محله عصر فلسفةٍ مدرسيةٍ نصيةٍ وباطنيةٍ معرفيةٍ. إضافة إلى ذلك ساهمت عوامل أخرى في تسريعِ انقراضِ العديد من النصوص الكلاسيكية ما قبل الحداثيةِ، مثل الافتقار إلى تقنياتِ الحفاظ على المخطوطاتِ، وحدوث تأخيرٍ في إدخالِ تكنولوجيا الطباعة والمطاردة المكثّفة للكلاسيكيات الإسلاميةِ من قبل المستشرقين الذين هرَّبوها وباعوها بمبالغ ضخمة لجامعي الكتبِ والمكتباتِ في الغربِ.

ولولا الجهود المضنية التي بذلتها مجموعةٌ صغيرةٌ من المفكرين في القرنِ التاسع عشر وأوائل القرن العشرين لملاحقةِ ما تبقى من المخطوطاتِ وإعادةِ نشرها بأعدادٍ كبيرةٍ، لكان العالم الإسلامي قد خسر قسماً كبيراً من أعماله الكلاسيكيةِ النفيسةِ. وقد سُرِّعت هذه المبادرةُ عبر إدخال المطبعةِ إلى العالمِ العربي، والتي ساعدت الإصلاحيين في مشروعهم الهام.

كتابُ أحمد الشمسي "إعادة اكتشاف الكلاسيكياتِ الإسلاميةِ: كيف نَقَلَ المحررون وثقافةُ الطباعةِ التقليدَ الفكري": يؤرّخُ قصصَ هؤلاءِ الإصلاحيين ومساهماتهم الاستثنائية في بعثِ المعرفةِ العربية-الإسلامية الكلاسيكية.

إذ بذلَ هؤلاء المفكرون -الذين كان من بينهم بعض من أهم الإصلاحيين في ذلك الزمن مثل محمد عبده، وطاهر الجزائري ومحمد الشوكاني إضافة إلى آخرين- جهداً كبيراً لطباعةِ أعمالٍ منسيةٍ من الأدبِ الإسلامي وتسخيرها لخدمةِ أجنداتهم في الإصلاحِ الديني.

إعادةُ اكتشافِ الكلاسيكياتِ الإسلامية

في الفصولِ الافتتاحيةِ يبحثُ الشمسي في كيفيةِ تجاهل العالم الإسلامي لتراثه الغني في وقتٍ كان فيه لدى المكتبات الأوروبية رغبة كبيرة في الحصول على المخطوطاتِ الإسلاميةِ، وكان المستشرقون يشاركون في إعادةِ بناءِ المعرفة الإسلامية.

ومن ثم يواصلُ ليصوّرَ العملَ الشاق وتفاني المصلحين في إعادةِ اكتشافِ المخطوطاتِ المنسيةِ وطباعتها بكمياتٍ كبيرةٍ منذ أواخرِ القرن التاسع عشر فصاعداً. وكنتيجةٍ لذلك بدأت الأعمالُ الكلاسيكيةُ -التي هُمِّشت وجرى تجاهلها في الفترةِ "ما بعد الكلاسيكيةِ"- بالظهورِ بأعدادٍ كبيرةٍ في خطاباتٍ علميةٍ وأكاديميةٍ، مما أدى إلى اندلاعِ شرارةِ إصلاحِ وإعادةِ إحياءِ المعرفةِ الإسلاميةِ في جميع أنحاءِ المنطقةِ.

ومن بين المخطوطات التي ساهم الإصلاحيون في منحها حياة جديدة: بعض الأعمالِ الرائدةِ في الشريعةِ العربية-الإسلامية، مثل كتاب سِيبَوَيْه في النحوِ من القرن الثامن، والرسالة في علم أصول الفقه للشافعي من القرن التاسعِ، والتفسير الضخم للقرآن للطبري من القرن التاسعِ، ومؤلفاتُ الأشعري من القرنِ العاشرِ، ودليل الصوفية (قوت القلوب) للمكي من القرنِ العاشرِ، ومؤلفات لابن خلدون في علم الاجتماع من القرنِ الرابعِ عشر، والكثير غيرها.

معظم هذه الأعمال كانت نادرة ومن الصعب العثور عليها في القرن التاسع عشر، حين كان الخطابُ العلمي الإسلامي يتمتعُ بـِ "تفسيراتٍ تقنية كثيفة على الأعمال السابقة"، والتي كانت عادةً ما تُكتَبُ بعد قرونٍ من تأليفِ الأعمالِ الأصليةِ. وهذا الاتجاه في الأرثوذوكسيةِ النصيةِ -الذي ساد بقوةٍ في العالمِ الإسلامي بعد القرنِ السادسِ عشر- قيّد الخطاب العلمي بحفنةٍ من النصوص الشعبيةِ. واختار علماءُ تلك الفترةِ الاقتصار على دراسةِ الفروق النصية الصغيرة التي لا أهمية لها لتلك التفسيرات، إضافةً إلى هوامشها وحواشيها، في حين بقيت الأعمال الأصلية منسيةً أو استولت عليها المكتباتُ في الغربِ.

التغلب على العقباتِ الحائلة دون إنقاذِ التراث الإسلامي الكلاسيكي

"الرسالة" كتاب أساسي في مبادئ الفقه الإسلامي للإمام الشافعي. (source: Dar al Aquida – Beirut)
طبعةٌ حديثةٌ من أحد أعمالِ الشافعي في القرنِ التاسعِ: "الرسالة" كتاب أساسي في مبادئ الفقه الإسلامي. وفقاً لأحمد الشمسي، فإنّ أعمال الشافعي -رجل الدين والكاتب والعالِم المسلم من القرن التاسع- كانت من بين المخطوطاتِ التي منحها الإصلاحيون فرصةً جديدةً للحياة.

ولذلك ذهبت في طي النسيانِ الأعمالُ الكبرى التي كتبها مؤسسو مدراس الشريعةِ الإسلاميةِ المختلفةِ والعقيدة والفلسفة واللسانيات والصوفية وعلم التأريخ. وقد تفاقمَ هذا بسبب الاتجاه الباطني المتنامي الذي روّجَ للتنويرِ الروحي بوصفه الشكل الأفضل لاكتسابِ المعرفةِ. جهلُ العالمِ الإسلامي هذا بتراثه الكلاسيكي اقترن بنظامٍ غير مُموَّلٍ وغير كافٍ لحفظ المخطوطاتِ وصيانتها وتأمينها.

ولذلك فقد كان على الإصلاحيين تجاوز العقباتِ الكبيرةِ، التي انطوت على حشدِ مجموعةٍ من المواردِ التي تتعلق بفقه اللغةِ إضافة إلى المواردِ التنظيميةِ والماليةِ وقدرٍ كبيرٍ من الوقتِ والالتزامِ. إذ كان عليهم تحديد المخطوطات والحصول عليها، وتجميع العديد من الأجزاءِ المتناثرةِ لتشكيل أعمالٍ كاملةٍ، وفك شيفرة النصوصِ على الرغمِ من الأخطاءِ والضررِ وفهم معانيها دون الاستعانةِ بالموادِ المرجعيةِ المناسبةِ، وما إلى ذلك.

ويقدم الشمسي سرداً مذهلاً لكيفيةِ تغلبهم على هذه العقبات من خلال المساعدةِ في بناء مؤسسات وتطوير ممارساتٍ، إضافة إلى تبني أنظمةِ تحريرٍ ونشرٍ وفهرسةٍ حديثةٍ.

ولقد فتحت جهودهم المضنية التقليدَ ما بعد الكلاسيكي الضيق على عالم واسعٍ من الأدبِ المطبوعِ، ولا سيما الأعمال الكلاسيكية، والتي نعتبرها اليوم المصدرَ الأساسي للنصوصِ الإسلاميةِ، مما أدى إلى تحولٍ عظيمٍ في التقليدِ الفكري العربي-الإسلامي.

قصة ملهمة حول البحث عن عملٍ كلاسيكي مفقودٍ للشافعي

ومن القصص الملهمةِ الذي يرويها الشمسي قصةُ أحمد بك الحسيني، وهو محامٍ مصري بدأ بعمليةِ بحثٍ شاقةٍ عن الأعمالِ التأسيسيةِ للمذهبِ الشافعي التي كانت منسية على نطاق واسع. وكانت النتيجةُ عملاً من 24 مجلدٍ بعنوان "مرشد الأنام لبرّ أمّ الإمام"، وهو شرحٌ مفصّلٌ لأعظم ما أبدع الإمام الشافعي: كتاب "الأم".

كما رتّبَ وموّلَ نشر كتاب "الأم"، وهو كتاب من 17 مجلدًا صدرَ بين عامي 1903 و1908. وخلال القرنين اللذين سبقا إعادة بعثه من قبل أحمد بك الحسيني كان كتابُ "الأم" مهمّشاً بصورةٍ كاملةٍ وجرى تجاهله، مثل العديد من الأعمالِ الكلاسيكيةِ الأخرى. حتى الفقهاء الشافعيون لم يروا أي ضرورة في قراءةِ كلماتِ الشافعي ليصبحوا خبراء في مجالهم.

ويكتبُ أحمد الشمسي أنّ إحياء الأدب الكلاسيكي كان جزءاً من كوكبةٍ أوسع من التغييرات الاجتماعيةِ الثقافيةِ التي كثيراً ما يُشارُ إليها باسم "النهضة" في العالمِ الإسلامي. فهو يرى أنّ النهضةَ في العالمِ الإسلامي لم تكن تتعلقُ برفضِ التقليدِ الفكري العربي-الإسلامي بمجمله لصالحِ الحداثةِ المستوردةِ، بل بأنّ الإصلاحيين كانوا يعتمدون على التقليدِ الكلاسيكي من أجلِ تقويضِ التقليدِ ما بعد الكلاسيكي، الذي أعلنوا أنه تقييدي ومتحجّر.

 

محمد وافي

ترجمة: يسرى مرعي

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

 

ar.Qantara.de

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة