معظم هذه الأعمال كانت نادرة ومن الصعب العثور عليها في القرن التاسع عشر، حين كان الخطابُ العلمي الإسلامي يتمتعُ بـِ "تفسيراتٍ تقنية كثيفة على الأعمال السابقة"، والتي كانت عادةً ما تُكتَبُ بعد قرونٍ من تأليفِ الأعمالِ الأصليةِ. وهذا الاتجاه في الأرثوذوكسيةِ النصيةِ -الذي ساد بقوةٍ في العالمِ الإسلامي بعد القرنِ السادسِ عشر- قيّد الخطاب العلمي بحفنةٍ من النصوص الشعبيةِ. واختار علماءُ تلك الفترةِ الاقتصار على دراسةِ الفروق النصية الصغيرة التي لا أهمية لها لتلك التفسيرات، إضافةً إلى هوامشها وحواشيها، في حين بقيت الأعمال الأصلية منسيةً أو استولت عليها المكتباتُ في الغربِ.

التغلب على العقباتِ الحائلة دون إنقاذِ التراث الإسلامي الكلاسيكي

"الرسالة" كتاب أساسي في مبادئ الفقه الإسلامي للإمام الشافعي. (source: Dar al Aquida – Beirut)
طبعةٌ حديثةٌ من أحد أعمالِ الشافعي في القرنِ التاسعِ: "الرسالة" كتاب أساسي في مبادئ الفقه الإسلامي. وفقاً لأحمد الشمسي، فإنّ أعمال الشافعي -رجل الدين والكاتب والعالِم المسلم من القرن التاسع- كانت من بين المخطوطاتِ التي منحها الإصلاحيون فرصةً جديدةً للحياة.

ولذلك ذهبت في طي النسيانِ الأعمالُ الكبرى التي كتبها مؤسسو مدراس الشريعةِ الإسلاميةِ المختلفةِ والعقيدة والفلسفة واللسانيات والصوفية وعلم التأريخ. وقد تفاقمَ هذا بسبب الاتجاه الباطني المتنامي الذي روّجَ للتنويرِ الروحي بوصفه الشكل الأفضل لاكتسابِ المعرفةِ. جهلُ العالمِ الإسلامي هذا بتراثه الكلاسيكي اقترن بنظامٍ غير مُموَّلٍ وغير كافٍ لحفظ المخطوطاتِ وصيانتها وتأمينها.

ولذلك فقد كان على الإصلاحيين تجاوز العقباتِ الكبيرةِ، التي انطوت على حشدِ مجموعةٍ من المواردِ التي تتعلق بفقه اللغةِ إضافة إلى المواردِ التنظيميةِ والماليةِ وقدرٍ كبيرٍ من الوقتِ والالتزامِ. إذ كان عليهم تحديد المخطوطات والحصول عليها، وتجميع العديد من الأجزاءِ المتناثرةِ لتشكيل أعمالٍ كاملةٍ، وفك شيفرة النصوصِ على الرغمِ من الأخطاءِ والضررِ وفهم معانيها دون الاستعانةِ بالموادِ المرجعيةِ المناسبةِ، وما إلى ذلك.

ويقدم الشمسي سرداً مذهلاً لكيفيةِ تغلبهم على هذه العقبات من خلال المساعدةِ في بناء مؤسسات وتطوير ممارساتٍ، إضافة إلى تبني أنظمةِ تحريرٍ ونشرٍ وفهرسةٍ حديثةٍ.

ولقد فتحت جهودهم المضنية التقليدَ ما بعد الكلاسيكي الضيق على عالم واسعٍ من الأدبِ المطبوعِ، ولا سيما الأعمال الكلاسيكية، والتي نعتبرها اليوم المصدرَ الأساسي للنصوصِ الإسلاميةِ، مما أدى إلى تحولٍ عظيمٍ في التقليدِ الفكري العربي-الإسلامي.

قصة ملهمة حول البحث عن عملٍ كلاسيكي مفقودٍ للشافعي

ومن القصص الملهمةِ الذي يرويها الشمسي قصةُ أحمد بك الحسيني، وهو محامٍ مصري بدأ بعمليةِ بحثٍ شاقةٍ عن الأعمالِ التأسيسيةِ للمذهبِ الشافعي التي كانت منسية على نطاق واسع. وكانت النتيجةُ عملاً من 24 مجلدٍ بعنوان "مرشد الأنام لبرّ أمّ الإمام"، وهو شرحٌ مفصّلٌ لأعظم ما أبدع الإمام الشافعي: كتاب "الأم".

كما رتّبَ وموّلَ نشر كتاب "الأم"، وهو كتاب من 17 مجلدًا صدرَ بين عامي 1903 و1908. وخلال القرنين اللذين سبقا إعادة بعثه من قبل أحمد بك الحسيني كان كتابُ "الأم" مهمّشاً بصورةٍ كاملةٍ وجرى تجاهله، مثل العديد من الأعمالِ الكلاسيكيةِ الأخرى. حتى الفقهاء الشافعيون لم يروا أي ضرورة في قراءةِ كلماتِ الشافعي ليصبحوا خبراء في مجالهم.

ويكتبُ أحمد الشمسي أنّ إحياء الأدب الكلاسيكي كان جزءاً من كوكبةٍ أوسع من التغييرات الاجتماعيةِ الثقافيةِ التي كثيراً ما يُشارُ إليها باسم "النهضة" في العالمِ الإسلامي. فهو يرى أنّ النهضةَ في العالمِ الإسلامي لم تكن تتعلقُ برفضِ التقليدِ الفكري العربي-الإسلامي بمجمله لصالحِ الحداثةِ المستوردةِ، بل بأنّ الإصلاحيين كانوا يعتمدون على التقليدِ الكلاسيكي من أجلِ تقويضِ التقليدِ ما بعد الكلاسيكي، الذي أعلنوا أنه تقييدي ومتحجّر.

 

محمد وافي

ترجمة: يسرى مرعي

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

 

ar.Qantara.de

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة