يستمر سمير على هذا الحال إلى أن تتمكن حبيبته من إقناعه بالسفر إلى لبنان كي يرى إن كان بوسعه أن يتابِع عملية البحث عن أبيه – أو على الأقل إن كان بإمكانه التعرُّف على تاريخه المُعتِم. فعلى سبيل المثال، كيف التُقِطَت صورة والده وهو واقفٌ بجانب قائد ميليشيا الكتائب؟ هل هناك تاريخ مخفيّ عن فظائع وحشية من الممكن أن يكون قد اقترفها والده في ماضيه؟ أم هل هناك تفسير آخر أكثر تعقيدًا لسبب اختفاء الوالد المفاجِئ؟

عبر عملية توصيفٍ وافية لحياة سمير مع والده وبحثه المُضنِي عن الإجابات، يأخذنا جروان في ارتحالٍ مَلحَمِيّ عبر بلدين مختلفين وعقود متعددة. بعدها نتمكن بالتدريج، نحن وسمير معًا، من رسم صورة حقيقية للأب، حين يكتشف سمير السِّر الذي استَنزَفه طيلة حياته.

 

 

{كان لبنان خلال الثمانينيات والتسعينيات ساحة حربٍ استخدمها مقاتلون فلسطينيون مسرحاً لعملياتهم ضد إسرائيل، ونتيجة ذلك، كانت إسرائيل تجتاح وتقصف مخيمات اللاجئين الفلسطينيين باستمرار. في نفس الوقت، تعاوَنَت إسرائيل مع ميليشيات لبنانية مسيحية؛ والسوريون بالطبع لم يتوانوا عن الحصول على كل ما طالته أيديهم؛ أما بالنسبة لبقية الشعب اللبناني – بمسيحييه ومسلميه – فكانوا عالقين في شِباك القوى المتصارِعة هذه.} 
 

طرد أشباح الصَّدمة

أثناء عملية سرده لقصة عائلته، يسترجع [الكاتب] جروان ذكرياته كلاجئِ جديد في ألمانيا مِن منظور والِدَي سمير [بطل الرواية]. كما يتناول المهمة الأصعب وهي توضيح الأثر البائِن على الطفل جراء تعلُّق الأب بحياته التي كانت في "البلد الأول". في حالة سمير، نكتشف أن الصورة الرومانسية التي رَسَمَها لوالده متشابِكَةً دون هَوادَة مع الحكايا الساحرة التي كان يرويها له. وعندما تصل به رحلة البحث إلى لبنان، يصطدم سمير وجهًا لوجه مع الحقيقة التي لا تشبه لبنان الذي تصوَّر في مخيلته. فلبنان اليوم لم يتمكن بَعد من التعافي من دمار الحرب الأهلية في الثمانينيات أو من احتلال القوى الخارجية، السورية منها بالذات، الذي تَلَى الحرب.

تلك كانت أيام مُجاوَرَةِ المسيحيين والمسلمين بعضهم لبعض. إلا أن الحرب الأهلية باعَدَت ما بين مَن كانوا أصدقاء – رغم محاولات الحكومة في تشجيع إعادة التوطين – إذْ نَجَحَت الحرب في عزل أحياء سكنية بالكامل عن أحياء أخرى. لدرجة أن طريقة وصف جروان للحياة في لبنان تجعل القارئ يتساءل عما إذا كان البلد برمته يُعاني من المرض النفسي المعروف ﺑ "اضطراب ما بعد الصَّدمة". أما بالنسبة لهؤلاء الذين ما زالوا يَذكُرون الماضي، فيبدو أن آثار الصدمة ما زالت تكمن خَفِيَّةً لديهم تحت السطح.

لكن الأشخاص الذين يسكنون الأماكن التي ابتَدَعها جروان هُم مَن يجعلون مِن قراءة الرواية تجربة مُشَوِّقة. كما أنه من السهل أن نرى أنفسنا في شخص سمير، إذ يصف لنا جروان وضعه بأسلوب بالِغ الدقة. لهذا، نرانا ننظر بعين الجد إلى أفراح سمير وأتراحه، لأننا من شدة انغماسنا في تفاصيل رحلته، نكتشف في نهاية المطاف أننا نشاركه شكوكه ومخاوفه من كامِل الحقيقة التي سيُدرِكها فيما بعد.

مع أن صبرنا مع سمير قد يَنفَد ما بين الفينة والأخرى لأننا لا نتفهَّم سبب هَوَسِه بأبٍ هَجَرَهُ منذ أن كان طفلًا، إلا أننا في نفس الوقت نتمنى من قلوبنا أن يجد ضالته. يُبدِع جروان في إقحامنا داخل حياة سمير، لدرجة أننا نشعر وكأننا نعيش معه في نفس الزمان والمكان.

"الرّاوِي" للكاتب بيير جروان من الكتابات النادرة التي تأخذ القارئ في رحلاتٍ داخل حيز شخصيات الرواية وخارجه. فنحن لا نصل إلى أبعد محطة في رحلة سمير العاطفية فحسب، بل نقتفِي أثره كذلك في رحلته الجغرافية التي يحتاجها كي يَكبُر وكي يتقبَّل نفسَه. عملٌ رائعٌ يستحق القراءة في زمننا هذا.

 

 
 
ريتشارد ماركُوس
ترجمة: ريم كيلاني
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.