من الصعب نقدياً، فصل الخطابين عن بعضهما، وخاصة في لحظات التأسيس في القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، ذلك أنّهما لم يُشكّلا، عمقاً، سوى نظائم دينية متقاطعة. وفوق ذلك، لم يُشكّل الخطاب الإسلامي (سواء دُعي بـ «الإصلاحي» أم لا)، سوى الحاضن المعرفي والإيديولوجي لحركات الإسلام السياسي، وتحديداً الإخوان المسلمين. لدينا إشكال إلى هذه اللحظة حول معنى «الإصلاح»: كيف يتحول هذا الإصلاح بلحظة إلى أصولية؛ كيف أنّ سلفياً أصولياً مثل محمد رشيد رضا يخرج من «جبّة الشيخ» محمد عبده (وليس صحيحاً أنه «انقلب» على إصلاحيته في كتاباته العشرينية)، وسيد قطب يخرج من جبة الإصلاح والمودودي، والخميني من نظيمة علي شريعتي إلخ. هؤلاء الأفراد لا يمثلون ظواهر منعزلة بعضهم عن بعض ولا حتى عن السياق الثقافي الإسلامي المتأزم الذي اصطدم بالحدثة لا من «داخلـ»ـها، بل من «خارجـ»ـها.

 

مظاهرة مؤيدة للأسد في سوريا. Pro Assad Demo in Syrien Foto Reuters
"الاستثمار الطائفي للنظام في العلويين واستغلاله لهم": الكتاب "يعالج بشكل مهم المسألة الطائفية، ويضيف ملحقاً صغيراً حول العلويين السوريين وبعض الجوانب التاريخية المتعلّقة بدورهم في التاريخ السوري المعاصر، ثم استخدام النظام لهم في سعيه لتثبيت سلطته. ولا ينسى الكتاب التشديد على نقض مقولة "عَلويّة" النظام السوري التي أشاعها بعض المثقفين السوريين، ويذهب لتأكيد الاستثمار الطائفي للنظام في العلويين واستغلاله لهم، لا من خلفية طائفية، بل سلطوية ارتهن بها الطائفة. وفي الفصل الختامي، يخلص الكاتب إلى نتيجة مفادها التمييز بين ثورتين شهدتهما سوريا، الأولى سورية شعبية سلمية تنشد الديمقراطية، والثانية إسلامية جهادية ذات مشروع ديني تسلّطي، تكاملت مع جهود النظام لإجهاض الثورة الأولى، السورية"، وفق ما يكتب حمّود حمّود.

 

مسألة العلمانية – "دعوة الكتاب غير المباشرة للاقتداء بما حدث للمسيحية" – ولكن ...

أمّا النقطة الأخيرة، فهي تتعلّق بحديث الكتاب عن العلمانية، حيث وردت فيه دعوة غير مباشرة للاقتداء بما حدث للمسيحية، نقلاً عن جورج طرابيشي، ص229، كونها "اكتشفت، بعد طول مقاومة، أن العلمانية أفادتها في استعادة بعدها الروحي بعدما كانت جرت مصادرته على مدى قرون، لحساب البعد الزمني." هنا يمكن السؤال حول معنى استعادة المسيحية لبعدها الروحي من خلال العلمانية، وهل هذا ما جرى فعلاً مع المسيحية؟ أعتقد أن المقصود هو حصراً النأي بها عن السياسة، بيد أن المسيحية بحد ذاتها كدين لم يتم إصلاحه، حتى أن كثيراً من المؤرخين وصفوا القرن التاسع عشر، حيث ذروة الحداثة الأوروبية، بـ "القرن الطائفي" بسبب بدايات ولادة أشكال طائفية وأصولية مسيحية، وخاصة من العمق الإنجيلي البروتستانتي، الذي يفترض أنه سعى لتهديم السلطة الكاثوليكية. أما مسألة العلمانية، فقد أجبرت إجباراً، كما يقول أوليفيه روا، المسيحية على التخلي عن سلطاتها وأملاكها العامة لصالح سلطة الدولة (وهذا كان في فرنسا 1920)، وليس بسبب إصلاح بداخلها.

مؤكّد أنه ليس على الكتاب البحث بهذه الجوانب. بيد أنني رأيت الإشارة إليها من أجل بحثها لاحقاً وإغناء الأسئلة المركزية التي يطرحها الكتاب، والذي يمكن اعتباره في النهاية دعوة جدية مهمة لنا لأن نمعن في استحقاقات "الثقب الأسود" الإسلاموي وتفاعلاته الجوهرية مع النظام السوري، مما يدعونا إلى معاودة الأسئلة التي تصب في صميم تأزمنا.

 

حمّود حمّود

حقوق النشر: موقع قنطرة 2022

ar.Qantara.de

 

حمّود حمّود كاتب وباحث سوري

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة