الصحفي اليهودي سليم البصون في مكتبه في مقر صحيفة الرأي العام العراقية سنة 1960. حقوق النشر David (Khedher) Basson
كتاب ''الجواهري بلسانه وقلمي"

الصحفي اليهودي البصون والشاعر العربي الجواهري...نموذج للتلاقح الحضاري

من المثير أن يصدر كتاب حول الشاعر العراقي الراحل محمد الجواهري، المتوفى سنة 1997 بعمر يقارب المئة عام، عن مخطوطة كتبها في أوائل السبعينيات صحفيٌّ يهودي اسمه سليم البصّون ربطته بالجواهري علاقة قوية. ومن الفريد أن تقوم عائلة الصحفي، العراقية الأصل، من إسرائيل وبريطانيا بإخراج المخطوطة لتصدرها وزارة الثقافة العراقية في بغداد عام 2013 وليشكّل الكتاب الأدبي البعيد عن السياسة نموذجاً للتلاقح الحضاري في عصر العولمة، كما يطلعنا ملهم الملائكة.

في منتصف نيسان/ إبريل سنة 2013 أصدرت وزارة الثقافة العراقية على هامش مهرجان بغداد عاصمة الثقافة العربية كتاباً حمل اسم "الجواهري بلسانه وقلمي"، والقلم هنا كان للصحفي سليم البصون الذي رسم للجواهري صورة جديدة، لا يعرفها كثيرون، من خلال حوارات استمرت ساعات طويلة في بيته، وبهذه الحميمية يُشْبِه الكتاب مناجاة ذاتيه أكثر منه كتابا عن الآخر.

لكن ما يستوقف المتابع للشأن الثقافي العربي أن الكتاب صدر بشكل رسمي عن وزارة الثقافة العراقية، رغم أن مؤلفه صحفي يهودي غادر العراق هارباً عام 1973، ومَنْ تولى تحويله من مخطوطة مكتوبة باليد إلى ملف إلكتروني جاهز للنشر هم زوجة الصحفي وأبناؤه الإسرائيليون المقيمون في تل أبيب.

بهذه الجرأة قد يشكل هذا الكتاب بالذات سابقة تمثل شكلاً من التواصل الثقافي العابر لحدود السياسة التي تَجَمَّدت عند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وفسّر خضر البصون نجل الصحفي اليهودي الراحل سليم البصون في حديثه إلى موقع قنطرة qantara.de ذلك بالإشارة إلى أن السنوات الخمس الأخيرة شهدت اهتماما بأحوال الجالية اليهودية التي عاشت في العراق في فترة ما قبل هجرتها إلى إسرائيل، كما كُتب الكثير عن هذه الجالية، ومن بين ذلك كتاب عن الصحفي الراحل سليم البصون.

محمد مهدي الجواهري. حقوق النشر www.jawahiri.com
الشاعر العربي الكبير: محمد مهدي الجواهري

​​

عصر العولمة يعبر الحدود

خضر البصون، يحمل شهادة الدكتوراه وهو خبير في مجال التقنيات وقضى 20 عاما من عمره في بريطانيا، يشير إلى أن المخطوطة بقيت في حوزة العائلة حتى عام 2010، ولم تفكر في نشرها ككتاب في إسرائيل، لأن المهتمين بمثل هذا الكتاب قلة، فاتجه التفكير إلى نشره في لندن، ويقول: "نجحت شقيقتي نيران المقيمة في لندن من خلال علاقاتها الواسعة بالعراقيين من كل ألوان الطيف العراقي في أن تصل إلى مازن لطيف الكاتب العراقي المهتم بشؤون اليهود في العراق، وقد قدم عرضاً بأن تتولى وزارة الثقافة طبع الكتاب ونشره في بغداد على هامش مهرجان بغداد عاصمة الثقافة العربية. قبلنا عرضه وكان ذلك من بواعث فخرنا الكبير".

الكتاب جاء في ستة فصول كُتبت على امتداد عامين، وقد شرع البصون يكتبه في صيف عام 1971، وانتهى منه في صيف عام 1973. ويصفه نجله خضر بأنه كتاب أدبي وليس سياسي.

وبوسع المتتبع لقصة إعداد ونشر الكتاب أن يدرك أهمية انسيابية المعلومات وتدفقها عبر شبكة السايبر، وهو ما أتاح نشر الكتاب، وتأسيس اتصال بين ثقافة العراق الجديد الخارج من خيمة الحكم القومي الديكتاتوري، وبين ثقافة نمت في الدولة العبرية منذ عقود طويلة وبقيت تحنّ إلى جذورها في أرض شتاتها العراقي لتكون نموذجاً آخر للتلاقح الحضاري الذي خلقه عصر العولمة.

ويشير إلى ذلك نجل الكاتب مبيناً أن المخطوطة حولتها الوالدة الثمانينية الكاتبة مريم الملا إلى نسخة إلكترونية نقَّحَها هو وشقيقته كهرمان، ثم أُرْسِلَت إلى لندن حيث تولت شقيقته الثانية نيران إرسالها بالإيميل إلى بغداد، ليتولى الطرف العراقي باقي آليات النشر.

"افتتاحيات صحفية باسم الجواهري ولكن بقلم البصون"

طالما ناجى سيد القوافي شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري أرقه وهو يطارد الشعر والجمال أينما حل، مارقاً دائما عن رضا الحاكم، وشاتماً في الغالب تقلبات ساسة العراق وقلة وفائهم، ولعل من المفيد في هذه العجالة أن يفهم القارئ، كيف نشأت علاقة الصداقة بينه وبين الصحفي اليهودي سليم البصون لتصل إلى حدِّ أنْ يُفضِي إليه بكثير من دقائق حياته وتفاصيل صنعته الشعرية.

وهو ما يكشف عنه نجله خضر الذي يحمل أيضاً اسم ديفيد، مشيراً إلى أنّ "والدي ربطته علاقة قوية خلال الستينات بالجواهري الذي أصدر صحيفة الرأي العام عام 1958 وقد صار والدي مديرا لتحريرها، وهي بذلك علاقة عمل عمّق آصرتها تقارب فكري، حيث كان الاثنان ينتميان إلى الخط التقدمي اليساري"، ولكنه يستدرك مؤكدا: " الجواهري لم يكن قط شيوعيا، رغم ما يشاع عنه وقد ذكر والدي ذلك في الكتاب نقلا عنه".

خضر البصون نجل الصحفي الراحل سليم البصون. حقوق النشر David (Khedher) Basson
خضر البصون نجل الصحفي الراحل سليم البصون

​​

ويكشف خضر البصون أن الجواهري كرئيس تحرير لصحيفة الرأي العام كان يكتب المقال الافتتاحي، لكنه وبسبب انشغاله الكبير بالشعر، كان ينسى أحيانا أن يقوم بذلك: " فكان والدي يكتب الموضوع وينشره باسم الجواهري (بموافقته طبعا)، وهذه حالة تكررت كثيرا وتكشف مدى الثقة التي كان الشاعر الراحل يوليها لأبي الراحل".

الجديد القديم في مناجاة الجواهري

" كتابي هذا عن الجواهري أهديه الى شعب الجواهري"، بهذا الإهداء افتتح سليم البصون مخطوطته، ليمر على محطات مهمة في حياة الشاعر العبقري، دون أن ينسى إضافة مختارات من شعره الى الكتاب. وينتظر القارئ العراقي المعاصر أن يقف على مفاجأت مهمة في الكتاب، لكن خضر البصون يبدو متحفظا وهو يتحدث عن هذا الأمر مشيراً إلى أن الكتاب كتب قبل 40 سنة، وقد أصبحت كثيرا من المعلومات فيه قديمة.

ثم يعود خضر ليؤكد أن الكتاب يكشف عن تفاصيل ومعلومات كثيرة لم تكن متداولة بين الناس، ومنها أن "الجواهري قد قال لأبي إن وصيته أن يدفن بجانب والدته وأخيه جعفر"، مضيفا ألا علم له بما تسرب عن حياة الجواهري في هذا الخصوص خلال العقود الأربعة المنصرمة.

نيران البصون ابنة الصحفي الراحل سليم البصون. حقوق النشر David (Khedher) Basson
نيران البصون ابنة الصحفي الراحل سليم البصون.

​​

وقد يبدو للمتابع أن الكتاب يقف في مرتبة وسط بين الكتاب الأدبي وبين الإنجاز العولمي المعبّر عن التغيير في الوعي الجماعي للعراقيين على وجه الخصوص من جانب وللإسرائيليين من الجانب الآخر، الا أنّ خضر البصون يُعرّف الكتاب بأنه " الجواهري في كلماته نفسها"، معربا عن اعتقاده أنه لا يوجد كتاب آخر عن الجواهري بصيغة أسئلة موجهة له من خلال نحو 20 ساعة حوارية " من هنا هو كتاب فريد من نوعه" .

واستبعد خضر البصون وجود أي معنى للكتاب من الناحية الجيوسياسية، مشيرا إلى أنه وعائلته حين أعدوا الكتاب للنشر لم يكونوا يفكرون في العلاقة العراقية الإسرائيلية، بل كان غرضهم نشر الكتاب وتعريف المثقفين والباحثين وقراء الأدب العربي بالبصون ووضع اسمه في مكانه اللائق في سيرة حياة الجواهري.

رغم شعره الحماسي عن فلسطين فالجواهري متهم بالشعوبية

على مدى نصف قرن كتب الجواهري قصائد كرّسها لمواقف العرب من المسألة الفلسطينية وهي في الغالب قصائد غلب عليها الحماس ولا تكشف عن موقف سياسي واضح، آخر ما كتبه في هذا الصدد من أبيات نشرها عام 1969:

أذْكتْ قـوافــيَّ الجـريــ ـحةُ                            مِنْ فلسطيـن الشغـافَـا
وَ مَشَـى إلـيَّ دمُ الشهيــ                          ـدِ يكـادُ يُـرتَشفُ ارْتشافَـا

وللمرء أن يقارن بين هذه الأبيات التي تبدو وكأنها كُتِبَت لمجاراة المد القومي الذي كان سائدا آنذاك، وبين موقفه الشخصي من اليهود الذي يتكشف في علاقته الوثيقة بسليم البصون بعد عامين من هذه الأبيات. ولعل هذا السلوك يفسّر إصرار أعداء الجواهري على نعته بالشعوبية، وهو أمر قاد الى أن ينزع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين عنه جنسيته العراقية عام 1994. فهجاه الجواهري بقصيدة ختمها ببيت ذاع في الآفاق:

سل مضجعيك يا ابن الزنا                      أأنت العراقي أم أنــــــــا

غلاف كتاب الجواهري بلسانه وقلمي للصحفي سليم البصون ونشر وزارة الثقافة العراقية
غلاف كتاب "الجواهري بلسانه وقلمي" للصحفي سليم البصون، من نشر وزارة الثقافة العراقية

​​
وقد يسعى القارئ إلى أن يستكشف من خلال الكتاب موقف الجواهري الحقيقي من ملف فلسطين- إسرائيل ، وفي ذاكرته الموقف الشيوعي الذي تبناه ستالين ودعم فيه قيام دولة إسرائيل، لكن خضرالبصون يخيّب مسعى القارئ نافيا أن يكون والده قد تطرّق في كتابه إلى أي موضوع له صلة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أو بقضية تهجير اليهود، أو بالعقيدة الصهيونية، وينفي قيام أي حديث بينه وبين الجواهري حول هذه المواضيع مؤكدا هوية الكتاب الأدبية.

أوريهودا احتفت بالجواهري دون ضغينة

في مركز يهود بابل التراثي وهو متحف مختص بتراث يهود الشتات العراقي في منطقة أور يهودا في إسرائيل، أقيم يوم الخميس 23 أيار/ مايو 2013 حفل إصدار الكتاب. أوريهودا تدعى شعبيا " بغداد هكتنة" أي بغداد الصغيرة نظرا لانتشار المعالم البغدادية فيها، إذ تحمل بصمات يهود العراق الذين هاجروا إلى إسرائيل.

وحَضَرَ الحفل نحو 120 شخصا هم أقرباء عائلة البصون والمهتمون بالأدب العربي وبعض الصحفيين والأكاديميين. خضر البصون وصف الفعالية بأنها "ليست رسمية ولا حكومية، ولكنها مهمة لكل من يهتم بهذا الموضوع "، مشيراً إلى عدم وجود أي تمثيل للحكومة فيها.

في خضم الذاكرة اليهودية المتعبة، يمتاز يهود الشتات العراقي بشوقهم الشاسع الى أرض الرافدين، وقد ختم خضر البصون حواره مع موقع قنطرة qantara.de بالإشارة إلى أن إسرائيل لم تكن قط عدوا للعرب، ورغبتها كانت ولم تزل دائما السلام معهم، لكن إسرائيل كانت شماعة للساسة العرب لتعليق خيباتهم عليها، مؤكداً أن اليهود الآتين من العراق رغم الحيف الذي لحق بهم، ورغم إجبارهم على الهجرة لا يحملون أية ضغينة تجاه الشعب العراقي، ولكن هذا لا يعني أنهم يفكرون في العودة إلى العراق للاستقرار فيه والتخلي عما حققوه في إسرائيل أبداً.

 

ملهم الملائكة
تحرير: علي المخلافي
حقوق النشر: قنطرة 2013

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : الصحفي اليهودي البصون والشاعر العربي الجواهري...نموذج للتلاقح الحضاري

اينما ذهبت ، وكلما تصفحت المواقع العربية ، اجد قطعا ومقالات لكتاب يهود وكلهم عراقيون...وهذا يثير الفضول: اين باقي اليهود العرب؟ لماذا لا نقرأ لهم في المواقع والصحف العربية؟ هل هم لا يعرفون العربية رغم انهم ولدوا في بلدان عربية؟
ام ان المواقع الغربية تتعمد التركيز على يهود العراق لأن العراق بات جزؤ من اسرائيل، وشريكها الصفوي في المنطقة؟
احاول ان افهم، كيف كان البصون يكتب عن الجواهري افتتاحية جريدة عراقية؟
هل تسمح حكومات العراق قديما لليهود بالعمل في الصحافة؟
اذا العراقيون ليسوا اعداء اليهود، مع ان النبي محمد صلى الله عليه وسلم لعن اليهود وحتى القرآن الكريم اشار عنهم بالقول" ولن ترضى عنك اليهود والنصارى".
وهذا يعني ان المشروع الامريكي في العراق سنة 2003 كان مشروعا اسرائيليا امريكيا صفويا ايرانيا يدعمه حزب الله..

عبد الصمد طرابل...30.04.2014 | 16:26 Uhr