وبينما راهنت روسيا وإيران على دكتاتورية الأسد، تتَّهم كريستين هيلبيرغ الاتِّحاد الأوروبي والولايات المتَّحدة الأمريكية بالتردُّد: خاصة في تعاملهما مع المعارضة السورية الديمقراطية الحقيقية في البلاد، التي سمح (الأوروبيون والأمريكيون) بسقوطها في وقت مبكِّر. وكذلك فشلوا في حماية الأهالي المدنيين. وهذا يعني أنَّ أوروبا نفسها ساهمت في الوضع الذي بات يتم اليوم إخراجه من سياقه بإدراجه تحت مصطلح "أزمة اللاجئين" وكأنَّما كان الأمر حدثًا طبيعيًا.

من المعروف أنَّ هذا الوضع لم ينتهِ بعد: فبينما يستمر القصف الروسي السوري على محافظة إدلب، تقول الأمم المتَّحدة إنَّ ما يصل إلى نحو مليوني شخص مهدَّدين بخطر النزوح من هذه المحافظة.

شهدت سوريا مرارًا وتكرارًا هجمات موجَّهة إلى أهداف إنسانية مثل المستشفيات، التي كانت الأمم المتَّحدة قد قدَّمت إحداثياتها إلى روسيا من أجل حمايتها. وكذلك لا يزال هناك عشرات الآلاف - إنْ لم يكن مئات الآلاف - من الأشخاص المفقودين، الذين يتم تعذيبهم في السجون السورية، وينتظرون مبادرات سياسية لإنهاء معاناتهم ومعاناة ذويهم. وفي الوقت نفسه، تقوم دول تستضيف ملايين اللاجئين السوريين - مثل تركيا أو لبنان - بترحيل السوريات والسوريين إلى وطنهم منتهكة بذلك القانون الدولي.

لا توجد حماية للأشخاص الملاحقين

لا يزال الأمر في ألمانيا غير سيِّئ إلى هذا الحدِّ. فقد قيَّمت وزارة الخارجية الألمانية الاتِّحادية الأوضاع في تقرير حول سوريا صدر في عام 2018، كما يلي: "لا توجد في أي جزء من سوريا أية حماية شاملة وطويلة الأجل وموثوق بها للأشخاص الملاحقين".

ومع ذلك فإنَّ هناك أيضًا سياسيين ألمانًا يتبنَّوْنَ وبشكل متزايد رواية "إعادة الإعمار". أمَّا السوريات والسوريون الموجودون بكثرة الآن هنا في ألمانيا والذين ينشطون سياسيًا، فنادرًا ما يتم سماع آرائهم في هذا النقاش. توضح كريستين هيلبيرغ أنَّ خطاب إعادة الإعمار يتم استخدامه من قِبَل الأسد كأداة للحكم. وهو يريد بهذه الطريقة استبعاد ملايين اللاجئين ومصادرة ممتلكاتهم بموجب القانون.

 

نشطاء ديمقراطيون سوريون في بلدة كفرنبل شمال سوريا في محافظة إدلب.  Foto: Dawlati
كريستين هيلبيرغ تُعيد من جديد إلى الذاكرة في كتابها الموضوعي كم كانت الآمالُ في التغيير الديمقراطي واسعةَ النطاق في مختلف أرجاء سوريا. وتُذكِّر بالقوَّات المدنية الخاصة بالثورة الفاشلة، أي الناس الذين خرجوا إلى الشوارع من دون أية اعتبارات أيديولوجية ضيِّقة الأفق، لأنَّهم كانوا يريدون قبل كلِّ شيء شيئًا واحدًا: التغيير وإنهاء وصاية الديكتاتورية.

 

أمَّا المستفيدون من إعادة الإعمار هذه فهم أتباعه وعملاؤه. هناك أيضًا خطر يهدِّد بتدفُّق المساعدات الدولية بشكل غير مباشر إلى خزائن أنصار النظام عبر الأمم المتَّحدة، التي تتعاون مع الحكومة السورية. وكريستين هيلبيرغ متأكِّدة من أنَّ النزاعات الداخلية في البلاد لا يمكن حلها مع استمرار حكم الأسد. ولذلك فهي تعارض "تطبيع" السياسات تجاه الأسد.

ولكن بعض السياسيين يعملون باستمرار من أجل ذلك بالذات. وحزب البديل من أجل ألمانيا اليميني الشعبوي ليس الحزب الوحيد الذي قام بإرسال وفد برلماني اتِّحادي إلى العاصمة السورية. فحتى وزير داخلية ولاية بافاريا الألمانية، يواخيم هيرمان طالب في عام 2018 بترحيل اللاجئين السوريين الذين "يشكِّلون خطرًا" والمجرمين إلى بلدهم المنكوب بالحرب.

وقد صرَّح قبل المؤتمر الأخير لوزراء داخلية الولايات الألمانية المنعقد في شهر حزيران/يونيو 2019 بأنَّ هناك "بعض الاستقرار" في سوريا. ولذلك فهو ليس الشخص الوحيد الذي يجب عليه قراءة كتاب كريستين هيلبيرغ هذا.

 

رينيه فيلدأنغل

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

 

 
كتاب كريستين هيلبيرغ: "الحرب السورية - حلّ نزاعٍ عالمي"، صدر باللغة الألمانية عن دار نشر هيردر، سنة 2018، في 256 صفحة، تحت رقم الإيداع:
978-3-451-38145-4

 

رينيه فيلدأنغل كاتبٌ ومؤرِّخ ألماني يركِّز في كتاباته على موضوعات من بينها موضوع الشرق الأوسط والأدنى.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.