حلاق لا يبتعد كثيراً عن تصور «الحاكمية» القطبي

الدولة الحديثة تتناقض جوهرياً وفي شكل لا يمكن مصالحته مع الحكم الإسلامي، لذلك يستحيل قيام «دولة إسلامية»، لأن مكونات وأسس الدولة من سيادة تحديداً، ومواطنة، ومأسسة مادية وتشريعية تتناقض مع جوهر الحكم الإسلامي الذي يعتمد على الأخلاق والشريعة. هذه هي المقولة الأساسية، ولو بابتسار، لكتاب وائل حلاق «استحالة الدولة الإسلامية» والذي ناقشه الجزء الأول من هذه المقاربة، وهو النقاش الذي انتهى بطرح عدد من الأسئلة أهمها يتعلق باللقاء المُدهش، وغير المقصود بطبيعة الحال، بين طروحات حلاق في كتابه وطروحات سيد قطب في تنظيره للإسلاموية الحركية المعاصرة (وتحديداً في «معالم في الطريق» وتفسير «في ظلال القرآن»).

لا تقصد هذه المقاربة على الإطلاق إلصاق أي توصيف أصولي او غيره بأكاديمي رصين وراسخ مثل حلاق لا يحتاج شهادة كاتب هذه السطور. لكن ما تتوقف عنده هو التقاء عدد من الأفكار المركزية بين قطب وحلاق ومن موقعين مختلفين تماماً.

اللقاء الأول يتم عند مسألة رفض فكرة «السيادة» واعتبارها أحد أسس الشرور التي اطلقت يد الدولة الحديثة الجبروتية في التشريع والقوننة ومن ثم التحكم في البشر. قطب استرذل هذه السيادة واعتبرها تعدياً على حق إلهي مقدس في التشريع، ونحت مصطلحاً بديلاً ورافضاً لذلك هو «الحاكمية»، والذي يعني ان حق الحكم والتشريع هو بيد الله لا بيد البشر.

الناس والمجتمعات تدور حول ما تم تشريعه بتمام غير منقوص وليس أمامها سوى الخضوع للشريعة التي تجسد حاكمية الله. لا يكلف قطب نفسه بالخوض في تفاصيل كثيرة يخلفها مثل هذا التفسير الصارم، ويورث تلك المهمة لإسلامويين خلفه غرقوا في تلك التفاصيل فأنتجوا التطرف، واحياناً كثيرة الدم.

"الدولة المستحيلة" في أطروحة وائل حلاق
ثمة فرضية صارمة في نص حلاق تكاد تنفي بالمطلق وجود أي بعد أخلاقي او قيمي يستحق ان يُذكر في تجربة «الدولة الحديثة»، وهي فرضية غير موضوعية وغير تاريخية.

حلاق لا يبتعد كثيراً عن تصور «الحاكمية» القطبي إذ يرى أن اصل الحكم الإسلامي هو التسليم المطلق للشريعة المُتعالية المُصمتة، وأن كل أنماط وصور الدولة الحديثة تنازع الشريعة مركزيتها في مجال الاجتماع الإسلامي وترسيمه وفق الأخلاقوية الإسلاموية. الشريعة تقوم على نظام أخلاقي متكامل يتسق مع رؤية إلهية للحياة والكون والآخرة. بينما «الدولة الحديثة» تقوم على تصور براغماتي مادي يعلي من شأن الإنسان ويموضعه في مكان الإله، على رغم أن هذه الدولة نفسها تتأله على الفرد الذي خلقها.

عند قطب وحلاق لا يتبقى للسياسيين والعلماء والفقهاء والقضاة إلا لعب دور الوسيط بين النص المُشرع والناس. كلاهما يتفادى قراءة التاريخ الإسلامي الذي تواصلت فيه مراحل خلافية ودموية بسب الصراع على هذا الدور تحديداً، اي المنافسة على امتلاك «التفسير الصحيح» أو «النقي» او «السلفي» للنص المُشرع. ذلك الصراع هو الذي حدد مسارات قرون طويلة من التسيس والاجتماع الإسلامي، وليس التغني بالنموذج المثالي الذي يتخيله حلاق. معنى ذلك تاريخياً وعملياً ان «الدولة الدينية» التي ينفي قطب وحلاق وجودها في التاريخ الإسلامي كما وجدت في التاريخ المسيحي حيث زعم الملوك النطق والحكم باسم الإله، وُجدت فعلاً عند المسلمين لكن على مستوى أقل من مستوى الادعاء الأوروبي. سيطر الحكامُ والخلفاء المسلمون على التيار الأعرض من المفسرين والقضاة والعلماء والفقهاء ودفعوهم لتبني وترويج تفسيرات محددة ومدارس فقهية معينة وفق السياق والزمن والظروف السياسية، أسها تبرير الشرعية الدينية للحكام، ووجوب طاعة الناس لهم من منطلق ديني.

غياب قراءة التجربة التاريخية للحكم الإسلامي

عملياً إذن تلتقي دولة اوروبا الكنسية التي أدعت الحكم باسم الإله، مع دولة الحكم الإسلامي التي أدعت امتلاكها الشرعية الدينية، عبر الشوكة والتسويغ الفقهي، في نفس المربع من ناحية النتائج العملية والتعامل مع الأفراد. في ذلك المربع، اي مربع الحكم باسم الدين، سواء غربياً ام إسلامياً او غيرهما، كانت القيم والأخلاق العلياً هي الضحية الأولى على الدوام، لأن الحكم والسياسة ونزعة السيطرة لا تحفل بالأخلاق.

النقص الأكبر في أطروحتّي قطب وحلاق يكمن في خلوهما من قراءة التجربة التاريخية للحكم الإسلامي، الذي لم يكن وردياً في كل حقبه وأزمانه، وتقديم اطروحة نظرية لا تاريخية. يظل الإثنان في إطار التنظير التأملي الذي يرسم جمهوريات أفلاطونية وإرادوية من نصوص، بخاصة في مرآة ما يراه الإثنان فشل الحداثة وطحنها للإنسان (مثلاً، يبحر قطب في التشهير بالحضارة الغربية من خلال استدلال تسطيحي لكتاب هامشي هو «الإنسان ذلك المجهول» لـ «أليكس كاريل».

اللقاء الثاني بين قطب وحلاق نلحظه عند مسألة رفض المقاربات التصالحية والبراغماتية للحركات الإسلامية ومنظريها إزاء فكرة «الدولة الحديثة» او «الديموقراطية» او «السيادة والمواطنة»، او سوى ذلك من مفاهيم الحداثة السياسية. قطب رفض بشدة كل هذه الُمقاربات (وتضمن رفضه ايضاً كل طروحات الأفغاني ومحمد عبده وتيار الإصلاحية الأول)، لأنها بنظره محاولات «ترقيع» انطلقت من موقع الإحساس بالدونية والهزيمة الحضارية. أعتبر قطب أن النظام الإسلامي كامل متكامل وغير منقوص، ولا حاجة للمسلمين بأن يستوردوا أي مبدأ او قيمة او نظام من الأنظمة غير الإسلامية.

ما يجب ان يركز عليه المسلمون، وفق النظرية القطبية، هو التخلص من «الجاهلية» التي يعيشون فيها، ويعيدون أسلمة انفسهم ومجتمعاتهم وفق «الإسلام الصحيح» (وهو التعبير المُحير والمُلغز الذي يختلف على تعريفه عشرات إن لم يكن مئات الفاعلين من دول وحركات اسلاموية). بعد ذلك تتحقق الحاكمية ويطبق حكم الشريعة. حلاق من جهته يتبنى نفس الموقف ويقول إن كل محاولات الحركات الإسلامية، وأيضاً الدول الإسلامية التي تريد موائمة مفاهيم الإسلام الـــسياسية مع الدولة الـــحديثة ومنطلقاتها ومبادئها، هي محاولات فاشلة ولا تتجاوز «المجاملات» الفكرية، وليس امامها اي افق نجاح لأنه من المستحيل عليها ان تتجاوز التناقض الجوهري بين الإسلام والحداثة. إذا تبنت الحركات الإسلاموية فكرة «الدولة الحديثة» كما يراها حلاق فإن تلك الحركات تتوقف عن كونها إسلامية. والنهاية محــسومة بالنــسبة إلى حلاق وهي الفشل الذريع لأي مشروع «ترقيعي» او «تجميلي» للإسلام يُراد به مصالحته مع الدولة الحديثة، والفشل الذريع ايضاً لأي مشروع حداثوي يُراد تطبيقه في العالم الإسلامي لأن البنية التحتية رافضة له اصلاً وتفصيلاً.

اللقاء الثالث بين قطب وحلاق يتم عند مسألة بالغة الخطورة وهي الفصم والقطع التام مع الآخر على مستوى تفاعل القيم وتبادلها. بالنسبة إلى قطب الأمور محسومة تماماً ومنذ لحظة الانطلاق بكون الحياة والعالم والكون كله مقسوم إلى حق وباطل، ولا تواصل بينهما كي لا يتلوث الحق. وفق قطب، عندما يدخل الفرد الإسلام، حتى الفرد المُنتمي إلى مجتمعات المسلمين المعاصرة، والذي يرى قطب ضرورة دخوله الإسلام مرة ثانية، يجب عليه «ان يخلع على عتبة الإسلام كل ماضيه من الجاهلية». ليس هناك ما هو متوارث ومتداخل ومتثاقف بين المراحل الإنسانية المختلفة، بل استئصال للقديم برمته وإحلال الجديد برمته. لا تواصل بين «دار الإسلام» و «دار الحرب» إلا بالجهاد ونشر الدعوة. حلاق يأخذنا في رحلة فكرية طويلة ومضنية، لكنها ممتعة ايضاً، حتى يصل إلى نفس الفكرة: لا يمكن التواصل قيمياً ومبدئياً وأخلاقياً مع غير المسلمين، بخاصة الغرب، لأن المنطلقات مختلفة ومتناقضة تماماً. المنظومة التشريعية الإسلامية قائمة على الأخلاق، والمنظومة الغربية (وربما غيرها) تختلف تماماً وتدوس على الأخلاق مقابل المنفعة المادية.

هنا يتوجب القول إن قطب وحلاق يقترفان جريمة ابستمولوجية كبيرة بالتغافل عن واحد من اهم اصول التكامل الأخلاقي الإنسانوي في المنظومة الإسلامية، والذي يلخصه الحديث النبوي المهم في هذا المجال: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». الفرضية الأولى في هذا النص تقول إن الإسلام لم يبدأ من الصفر، وإن هناك مكارم اخلاق حتى في «الجاهلية» الأولى جاء الإسلام ليتممها.

الفرضية الثانية مُستلة من الأولى مكانياً لكنها متجاوزة لها زمانياً حيث ان مكارم الأخلاق موجودة في طول وعرض التاريخ الإنساني قبل الأديان وبعدها، وعليه فإن وصول او تفاعل الإسلام مع اي مكان في العالم القديم او الحديث ينطلق من فرضية اعترافه بما فيها من مكارم اخلاق، ثم شروعه الإنساني والدائم لاستكمالها. وهذا يعني ديمومة ودينامية مستمرة، تفاوضية ومفتوحة دوماً، جوهرها افتراض التفاعل مع الآخر بكونه الأصل وليس افتراض الإحتراب معه. لهذا غلب دوماً عند علماء المسلمين الرأي القائل إن السلم هو الأصل والحرب هي الاستثناء. من الصعب ان تتأسس الغلبة لهذا الرأي لو كان الاحتراب والقتال هو الفرضية الأساس، لأن ما سيتبعها ضرورة إزالة كل أنظمة الآخرين من الجذور. تطبيقات نظرية سيد قطب في تاريخ الحركات الإسلاموية الحديثة دموية إلى ابعد حد، من تنظيمات التكفير والهجرة والجماعة الإسلامية في مصر، إلى نظيراتها في الجزائر وأفغانستان، وصولاً إلى القاعدة في كل مكان وبوكو حرام في نيجيريا وليس إنتهاءً بـ «داعش».

هذه التنظيمات ترى ان نقطة البداية في أسلمة المجتمعات تبدأ بـ «كنس الجاهلية» تماماً، ثم تشرع في تنفيذ هذا المشروع الذي لا نهاية له ويحطم مجتمعاتها. لكن التأثير العنفي لأفكار قطب تتعدى التنظيمات المتطرفة وتطاول الجسم الأعرض «المُعتدل» للإسلاموية المعاصرة، لكن هذا حديث مُستطرد آخر.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : سيد قطب متخفياً في كتاب «استحالة الدولة الإسلامية»

واضح أن خالد الحروب لم يفهم وائل حلاق على الإطلاق!

محمد عبد الله05.09.2018 | 13:44 Uhr