حلاق بالغ في توصيف وحشية الدولة الحداثية

واستطراداً في نقاش حلاق في نقاشه للحداثة السياسية، ليس من التجاوز القول إن حلاق قد بالغ فعلاً في توصيف وحشية الدولة الحداثية، وحاد عن الموضوعية في انتقائيته للآراء والطروحات التي تهاجمها. هناك كثير من الطروحات الحداثية تجادل بأن الحداثة السياسية هي التي قلمت وحشية الدولة التي عرفتها البشرية، وحولت الأفراد من «رعية» إلى «مواطنين». وإن مركزية الدولة لا تصل إلى مرتبة القداسة الموصوفة في كتاب حلاق، بل تظل تعتبرها أداة لخدمة مواطنيها. وأقصى ما يمكن اعتباره طرحاً موضوعياً هنا هو القول إن تمظهر الدولة الحدايثة اخذ طيفاً وأشكالاً مختلفة، تبدت في حدها النتشوي (النازي، لاحقاً) الأقصى الدولة ذاتاً مقدسة وصارت هي الغاية الأسمى، لكن في بقية اشكالها الأخرى وطيفها تجسدها المُتسع والمُتعدد كانت اقل قسوة وأكثر ليونة وتوائماً مع سياقات متنوعة. مثلاً، هل ينطبق تحليل حلاق للدولة الحداثية وتوصيفها بالتوحش على الدول الإسكندنافية الراهنة، وهل هذا ما يراه مواطنوها؟

الأمر الآخر المهم، والمُهمش إلى حد ما في نقاش حلاق، هو ان فكرة الدولة الحديثة لم تتأسس على الضد من الإفراد ولمواجهتهم او منافستهم في السلطة او النفوذ، والانتقام منهم، كما يخلص إلى ذلك قارىء حلاق. بل تأسست وتطورت وتبدلت وهي تواجه تحديين، الأول هو الأعداء الخارجيين والحروب والصراعات التي كانت تستهدف الأفراد وتطحنهم. وهنا كان هدف الدولة الوصول إلى تنظيم العلاقات الدولية وفق انظمة جديدة اكثر مما ارادت قولبة الأفراد في سياقها، وعلى ذلك فإن ما انعكس على الأفراد بسبب هذه السيرورة الطويلة كان نتيجة وليس هدفاً. والتحدي الثاني هو الاستبداد الداخلي الذي كان متجسداً في تحالف الكنيسة مع الإقطاع، ثم تطور في أشكال إمبراطورية، او برجوازية، او حتى حداثية استبدادية. في مرافعة الإدانة القاسية التي يقدمها حلاق بضراوة نضالية ضد فكرة «الدولة الحديثة» نرى ان هذه الدولة قد قامت وتمأسست لهدف واحد وهو قمع الفرد وإخضاعه، وليس الدفاع عنه ضد عدو خارجي واستبداد داخلي. على ذلك فإن مفهوم التضحية من المواطنين والذي يسترذله حلاق جاء في هذا السياق، سياق الدفاع عن النفس والوطن والدولة معاً، وليس حصراً للدفاع عن الدولة وكأنها كيان مُصمت علوي لا علاقة له بالأفراد (المواطنين).

كل ما ذكر اعلاه لا يقلل من أهمية هذا الكتاب وموسوعيته. ليست كل الكتب مُستفزة للقراءة، وأقل منها تلك التي تستفز كتابة مراجعة مطولة فيها، وهذه القلة هي التي تُساهم في اثراء النقاش الفكري والجدل الإيجابي.

وكتاب حلاق بالتأكيد واحد منها. أهمية الكتاب، وهي مفارقة فعلاً كبيرة، تأتي من برهنته على أمر لم يكن احد أهدافه: وهو استحالة خلط الدين بالسياسة. الكتاب يثبت أنه لا مكان لشيء اسمه دولة اسلامية في الزمن الحديث، لأن الدولة الحديثة تتعارض مع الحكم الإسلامي.

وفي نفس الوقت فإن قيام الحكم الإسلامي يستلزم شروطاً لا تقل استحالة عن موائمة الدولة الحديثة مع الإسلام، وهي شروط تحوم حول اعادة انتاج الظروف التي توافرت لذلك الحكم في الماضي، كما يراها المؤلف.

نحن إذن بين استحالتين إسلاميتين وحداثة تقف على تخوم فشلهما بكونها النجاح الوحيد.

 

خالد الحروب

حقوق النشر: خالد الحروب 2018

خالد الحروب كاتب وأكاديمي عربي.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : سيد قطب متخفياً في كتاب «استحالة الدولة الإسلامية»

واضح أن خالد الحروب لم يفهم وائل حلاق على الإطلاق!

محمد عبد الله05.09.2018 | 13:44 Uhr