من السهل التخيل أن الجوبري كان يعمل دجالاً عند النظر في مبالغاته المتكررة وإصراره على أنه قد شهد كل حيلة في الكتاب.

في الواقع، يشير ديفيز إلى أن وجود مبررات تدعو إلى الاعتقاد بأن الجوبري بحد ذاته، كلياً أو بشكل جزئي، كان "دجالاً"، وربما استخدم بعض الحيل التي تحدث عنها بالتفصيل في كتابه.

على أية حال، أنتج الجوبري بلا شك "واحدة من أهم الأعمال عن عادات عالم الرذيلة والإجرام في الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى" كما يذكر ديفيز، موجز وافي من القصص القصيرة والوصفات والألغاز.

وعلى الرغم من أن الجوبري قد عارض بكل تأكيد بعض المحتالين، وأنهى معظم مقاطعه بعبارة "فافهم ذلك"، والتي أصبحت في ترجمة ديفيز إلى الإنكليزية "تنبهوا!"، بيد أنه في حالة صديق سوري على ما يبدو أن مصريين استخفوا به ووصفوه بـ"بقر الشام"، يصبح مؤيداً بشكل كلي للصديق المحتال.

فالصديق السوري للجوبري، علي البسراوي، خدع على ما يبدو المصريين، الذين استخفوا به، وجعلهم يدفعون ثمن منظف أسنان مصنوع من الفضلات.

ويبدو الجوبري مسروراً بهذه الحيلة. وبدلاً من أن ينهي فقرته بعبارته المعتادة "فافهم ذلك" ختمها بـ"ولا يفهمون معناه".

أصداء هولمز ولوبين

 

تعود أصول الكتابات حول الجريمة المعاصرة إلى القرن التاسع عشر في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، ومن هناك انتقلت حكايات الجريمة الشعبية لتزدهر في القاهرة وبيروت ودمشق.

 

الغلاف الداخلي للترجمة الإنكليزية لكتاب اللصوص والمحتالين - للجوبري. Al-Jawbari's "The Book of Charlatans", translated from the Arabic by Humphrey Davies (published by New York University; bilingual edition) amazon.deCharlatans-Library-Arabic-Literature-English-ebook
رد سوريا العصور الوسطى على مارك توين: في هذه النسخة الجديدة التي تجمع بين اللغتين العربية والإنكليزية، وترجمها همفري ديفيز، يكشف الجوبري كل ما يتعلّق بحيل الدجالين والمشعوذين واللصوص أصحاب الهرب والصرافين والكيميائيين الكاذبين والذين يدعون النبوة والأسوأ من ذلك، النساء. والجوبري أحد كبار الخبراء في القرن الثالث عشر في مجال الغش، كما تكتب مارسيا لينكس كويلي.

 

غير أنّه كان من الممكن أن تُنشر العديد من مقاطع كتاب الدجالين في مجلة تكتب عن الجريمة في القرن التاسع عشر أو العشرين. فبعض مقاطع الكتاب تبدو مثل قصص قصيرة مفصّلة، أو نسخ أكثر جرأة جنسياً من قصص شارلوك هولمز أو أرسين لوبين. بينما مقاطع أخرى تبدو مثل ألغاز قصيرة، من النوع الذي ربما ظهر في المجلات البوليسية الشهيرة في القاهرة في أربعينيات القرن الماضي.

في أحد الفصول التي تدور حول الوعاظ الذين يدعون المشيخة، على سبيل المثال، نسمع عن اللغز التالي: "ومن ذلك أن يكون الشيخ مسافراً في الليل في أشد ما يكون من الغيم والظلمة فيظهر من جبينه عامود يودي إلى عنان السماء فيضيء لمن يمشي معه مثل النهار". وبطبيعة الحال يشعر رفاقه بالذهول، ويصدقون أنه رجل قوي ونزيه، ويمنحونه أموالهم.

لكننا نكتشف من الشرح الذي يلي أنه كان يرتدي "خرقة شعر رفيعة" من الدود المتوهج فحسب.

من الصعب للقارئ المعاصر الحصول على العديد من المكونات المذكورة في الكتاب، مثل "الكاكنج، والغاريقون، وحب البلاذر"، والتي كانت على ما يبدو تُستخدمُ في مسكر يُدسّ في الطعام. بيد أن بعض المكونات، مثل تلك التي تدخل في وصفات الحبر السري، يمكن أن تصبح رائجة بسهولة من جديد. لذا اقرؤوا الكتاب الآن، وافهموا ذلك!

 

 

مارسيا لينكس كويلي

ترجمة: يسرى مرعي

حقوق النشر: موقع قنطرة 2022

 

ar.Qantara.de

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة