كتاب "اللغة والذات" للناشطة الألمانية التركية كبرى غوموشاي

لا لثقافة التنميط واختزال الانسان

الاضطرار الدائم لإثبات الذات وجعلها مقبولة كما يحدث لذوي أصول مهاجرة في المجتمع الألماني هو أمر مُرهِق ومبدِّد للطاقة وحتى باعث على اليأس، بسبب تصنيف المجتمع للآخرين المختلفين إلى فئات وفق تصورات مسبقة وعدم التعامل معهم كأشخاص اعتياديين لكل منهم خصائصه الفردية. كتاب الصحافية كُبرى غوموشاي يفكك سرديات لغوية قد ترفع أو تحط من الشأن وقد تؤدي للإقصاء. الألمانية ميلاني كريستينا مور قرأته لموقع قنطرة.

موضوع كتاب "اللغة والذات" هو "عن العلاقة المتبادلة بين اللغة وبين اللاإنسانيّة في السياسة"، كما تقول الناشطة ومؤلفة هذا الكتاب كبرى غوموشاي في الفصل الأول من كتابها الصادر باللغة الألمانيّة الذي يحتوي على عشرة فصول، وفي مختلف فقراته تعتمد كبرى غوموشاي على استشهادات واقتباسات، فتلقي فيها الكاتبة الضوء على ما رصدَته بخصوص الحساسيّات والرؤى وعرض تجارب الآخرين بالإضافة إلى تجاربها الخاصّة.

وهي تحاول الإجابة عن السؤال حول مدى تأثير اللغة على تصوّرات الإنسان لمحيطه وعلى تفكيره، وعن طبيعة السلطة التي تفرضها اللغة بالتّالي على العلاقات بين الأفراد، ولماذا يحتاج الإنسان إلى تصنيف الآخرين إلى فئات إلى أن يشعر بالأمان -كما تلاحظ المؤلفّة- وكيف ينشئ الإنسان تلك التصنيفات.

وتبيّن كبرى غوموشاي ما معنى أن يكون الشخص منتميًا لفئةٍ ما أو لأكثر من فئة، وتطرح أيضًا بعض الأسئلة الحاسمة التي يواجهها الأشخاص داخل تلك المجموعات: أيّ سلوكٍ يتوجّب عليَّ كمسلمٍ أو مسلمة اتباعه؟ وماهي التوقّعات التي قد تنجُم عن ميولي الجنسيّة؟ وماهي المواضيع التي لا يجد الآخرون حرجًا في أن يناقشوها معي كشخصٍ ملوَّن؟ وما هي الآراء التي ينتظر الآخرون سماعها منّي كمهاجر؟

الغلاف الألماني لكتاب "اللغة والذات"، للناشطة كبرى غوموشاي، دار نشر هانزر، عام 2020، 208 صفحات،  Hanser Verlag
كتاب "اللغة والذات" ليس تحليلًا لغويًّا، بل مجموعة من الحكايات التي يجب أن تُروى، حتّى وإن لم يكن المرء من المولعين بالحكايات، وذلك لأنّها بالغة الأهميّة ومُثرية، ولأنها تستحقّ القراءة، خاصّة في وقتنا الحاضر. وتتناول فيه الكاتبة الناشطة كبرى غوموشاي دور اللغة في الحياة المشركة من منظورٍ نقدي وسرديات تحدد واقع الحياة المشتركة للبشر وتموضع الأفراد في المجتمع، وهي إما أن ترفع من شأن الناس أو تضع من قَدْرهم، وجميعها متعلقة بالامتيازات والصور النمطية والإقصاء.

اللغة كدلالة على الامتياز

وتشرح كبرى غوموشاي عمليات التصنيف المذكورة أعلاه باستخدام متحفٍ متخَيَّلٍ من تصوّرها، يواجه فيه الأشخاص غير المصنَّفين والمصنَّفون بعضهم البعض، وتشكِّل فيه لغة أحدِهم عالمَ الآخر، ويواجه فيه غيرُ المصنَّفين المصنَّفين -الآنف ذكرهم- المتوافقين مع ما هو سائد وَ "الموضوعين في أقفاصٍ زجاجيّةٍ تحمل وسوم تصنيفهم الجماعي: أجنبيٌّ، يهوديٌّ، مسلمٌ، مثليّ الجنس". وهكذا يتردّد صدى هذا الوضع البائس عبر سطور الكتاب.

وتناشدنا الناشطة لنتحرّر من هذه التصنيفات ونستقلّ بأنفسنا، وهذا وإن كان ليس بالأمر غير المعتاد إلّا أن ذلك لا يقلّل من أهمّيته. وتشدّد كبرى غوموشاي على أنّ الحاجة المستمرّة لفرض الذات وإثباتِها والنضالَ المستمرّ من أجل الحق في شخصيّةٍ فرديّةٍ وقبولها ليس مرهِقًا ومبَدِّدًا للطاقة فحسب بل ويمكن أن يكون باعثًا على اليأس.

والمفتاح لفتح هذه الأقفاص هي التعبير بِحُرِيَّة، مثلما تشير الكاتبة: "أنا شخصٌ مُسَمَّى باسم مُعَيَّن. (...) وقد أصبحتُ من المتجرئين على التحدث من دون أن يُطلَب ذلك منهم وممن جعلوا الجدران الزجاجيّة مرئيةً، مشيرين إلى سجنهم ومطالبين بإنهائه".

عندما تكشف المقاومة الصور المشوِّهة للآخرين

وترى كبرى غوموشاي أنّ المقاومة يمكن أن تصبح عادةً لدى المتعهّدين بهذه المهمة المتمثّلة في كسر الأقفاص المفتوحة وتفكيك التصنيفات. لكن ضغط تمثيل الآخرين -والشعور بالحاجة المستمرّة لتشكيل واجهةٍ قويّةٍ لفئةٍ أو فئتين أو حتّى ثلاث فئات- يمكن أن يؤدّي في مرحلةٍ ما إلى خسارة الذات وضياعها في ذاك الضغط.

وتندد المؤلفة كيف "يَحرِم المسلمون والمسلمات أنفسهم شيئًا فشيئًا من حيّز الفردانية الشخصية ومن مجال قابلية الوقوع في الخطأ". فالإحساس بارتباطٍ دائمٍ بمجموعةٍ أو أكثر قد يساهم في خلق تطلّعاتٍ للكمال غير سليمةٍ ومكبِّلةٍ للإنسان. وهذا أيضًا يُحبط أيّ نقاشٍ حول "المظالم الصارخة" ويحدّ منه، كما أن المسلمين والمسلمات المستائين يواجهون "الازدراءَ بكونهم متأثّرين بالغرب أو مشكوكًا في ولائهم".

وتغوص كبرى غوموشاي في تناول اللغة والامتيازات والصور النمطيّة وما يرتبط بها من غموض. وهي تدعم حججها الواردة في حوالي 180 صفحة، بخمسين مقولةٍ وعددٍ من الحكايات؛ وهو ما يجب على القارئ أن يكون من محبّيه، وهي مادةٌ مترابطةٌ ومنتقاةٌ كما يجب، ولكن بالنظر لهذا الإسهاب فلا يسع المرء إلا أن يذكر القول المأثور: خير الكلام ما قلّ ودلّ.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة