المصور الصحفي الكندي المقيم في أميركا جوي لورانس.

كتاب "جئنا من النار - كفاح كردستان المسلح ضد داعش"
تكريم لمسلحي الأكراد

كتاب لصحفي كندي رافق المسلحين الأكراد في جبهات القتال الأمامية. كتاب لا يشبه أي كتاب آخر وترافق نصوصَه صورٌ كبيرة ملونة. ريتشارد ماركوس طالعَ الكتاب لموقع قنطرة.

ينقسم كتاب "جئنا من النار" إلى قسمين: الصور التي التقطها لورانس خلال تجواله مع مقاتلين أكراد في مناطق حرب مختلفة لا سيما العراق وسوريا، والقسم الثاني هو النص.

وينقسم النص أيضاً إلى أجزاء. الجزء الأول عبارة عن تاريخ مفصّل للأكراد منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وكيف يرتبط هذا التاريخ بكل من الربيع العربي والتطورات المأساوية التي شهدتها سوريا وشمال العراق منذ عام 2011.

أما الجزء الثاني من النص فيشارك فيه لورانس أسباب رغبته بإلقاء نفسه في منطقة حرب ترافقه كاميراته فحسب، ويصف لنا كل رحلة من رحلاته الثلاث إلى المنطقة.

وبينما الصور هي بلا ريب أهم ما في الكتاب، فإنّ النص مهم أيضاً. إذ أنه عبارة عن تاريخ مكتوب بشكل جيد لأكثر من قرن من تعرض الأكراد للاستغلال والخيانة من قبل قوى مختلفة، ويوضّح سياق الوضع الراهن، كما أنه يساعد على فهم الحقائق الجيوسياسية للمنطقة.

الغلاف الإنكليزي لكتاب "جئنا من النار - كفاح كردستان المسلح ضد داعش". Cover of Joey Lawrence's "We came from fire" (published by powerHouse)
ليسوا مقاتلين مجهولي الهوية في أرض بعيدة بعد الآن، إنهم أفراد: تأخذ الصور غير الشخصي في الحرب وتوضِّحُ النزاع للقارئ. وفي حين أنّ الصور رائعة، فإنه من الصعب أحياناً معرفة ما إذا كان ينبغي أن تلعن أو تبارك لورانس لنقش وجوههم في ذاكرتنا. كتاب "جئنا من النار"، يمنحُ العالمَ سجلاً مصوراً ومكتوباً فريد من نوعه للميليشيات الكردية ومعركتها لحماية أرضها، كما يكتب ريتشارد ماركوس.

وبالرغم من أنّ مشاركة الأكراد في هذا النزاع كانت بلا أي شك بمثابة خطوة في طريق تعزيز أهدافهم الخاصة التي تتمثل بتحقيق الحكم الذاتي على أكبر قدر ممكن من "أراضيهم التقليدية" (حيث امتدت كردستان على ما هو الآن جنوب تركيا إلى شمال إيران والعراق وسوريا)، كانوا كذلك يقومون بالوفاء بالتزامات عقيدتهم: القتال من أجل المحتاجين والدفاع عن الذين يتعرضون للهجوم.

سرديات لورانس حول رحلاته الثلاث إلى الجبهة برفقة العديد من الميليشيات الكردية رائعة حقاً.

وبينما نقرأ، نبدأ بإدراك ضخامة المهمة التي كانت تواجهها هذه القوة الصغيرة الناقصة التجهيز نسبياً.

حين بدأ مقاتلو داعش بالتدفق إلى شمال العراق من خلال الحدود التركية السهلة الاختراق، اختفى الجيش العراقي، تاركاً الأكراد، الذين وضعوا حداً للتدفق، وتمكنوا من شنّ هجوم مضاد كذلك.

القضية الكردية، شوكة في حلق الجميع

 

ولكن كما تقول الصور بوضوح، ليست قدرتهم القتالية هي كل ما يميزهم.

تشكّلت البيشمركة الكردية على مبادئ المساواة الثابتة، فهي تتكون من رجال ونساء. ولا بد أنّه من المزعج بشكل خاص لمقاتلي داعش، الذين تشكّل كراهية النساء جزءاً لا يتجزأ من فلسفتهم، أن تصدّ النساء قواتهم.

ولسوء الحظ، كما يخبرنا لورانس، لم يكن على الأكراد أن يقلقوا بسبب تنظيم الدولة الإسلامية فحسب.

إذ لطالما اعتبرت تركيا، المقاومة الكردية المحلية (حزب العمال الكردستاني) PKK، منظمة إرهابية. مما يعني أنّ الجيش التركي يعتبر وحدات حماية الشعب YPG والبيشمركة الكردية العدو، رغم ادعائهم جميعاً أنهم ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

وبينما كان الأكراد يطردون عناصر تنظيم الدولة الإسلامية من شمال العراق وسوريا كانوا يواجهون البنادق التركية عبر الحدود مباشرة.

الصور مذهلة وتفطر القلوب في الوقت ذاته. وهي مزيج من صور فردية للمقاتلين، أو مجموعات مقاتلين، إضافة إلى صور مُلتقطة في الميدان.

وفي حين التقطت أغلب صور الميدان هذه في دوريات، أو خلال السفر عبر مناطق لم تعد تُعتبرُ معادية، كان الوضع على الأرض متقلباً للغاية لدرجة أنه كان هناك أوقات صادفوا المواجهات خلالها.

على الرغم من أنّ لقطات الأشخاص الذين يعودون إلى حياتهم وبيوتهم بعد تحرير الأكراد لمنطقة من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية معبرة عما تكشفه هذه اللقطات من مرونة الناس والدمار الذي أحدثته الحرب في سوريا والعراق، إلا أنّ الصور الفردية تبقى هي التي تجذب الانتباه مراراً وتكراراً.

 

بشر بالكامل

 

يصف لورانس بعض الجهود التي بذلها لإقامة "استوديوهات" في مواقع مختلفة لالتقاط هذه الصور.

وفي حين أنه قد يبدو من غير الملائم الحديث عن مستويات الإضاءة في مناطق الحرب، إلا أنّ النتائج تجعلك تقدّر الاهتمام الذي بذله.

يعيد لورانس أولئك الذين التقط صورهم إلى الحياة، ويجعلهم بشريين بالكامل.

 

امرأة مقاتلة كردية في سوريا. Raqqa Rakka Syrien kurdische Kämpfer Befreier FOTO Getty Images
الصور الفردية تبقى هي التي تجذب الانتباه: على الرغم من أنّ لقطات الأشخاص الذين يعودون إلى حياتهم وبيوتهم بعد تحرير الأكراد لمنطقة من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية معبرة عما تكشفه هذه اللقطات من مرونة الناس والدمار الذي أحدثته الحرب في سوريا والعراق، إلا أنّ الصور الفردية تبقى هي التي تجذب الانتباه مراراً وتكراراً. قد يبدو كتاب المصور الصحفي الكندي المقيم في أميركا جوي لورانس "جئنا من النار"، بالصور الكبيرة والملونة اللامعة التي يحويها، مثل كتاب ديكور، ولكن من خلال عنوانه الفرعي "كفاح كردستان المسلح ضد داعش"، ومن خلال محتواه، فإن هذا الكتاب لا يشبه أي كتاب آخر، كما يكتب ريتشارد ماركوس. الصورة من وكالات الأنباء لامرأة مقاتلة كردية في سوريا.

 

تنظر إلى الصور وتقع في حب هذه الشخصيات. هناك القليل جداً من العدوان المبطن الذي تتوقع رؤيته في صور أشخاص مزودين بمعدات قتالية ويحملون أسلحة.

وبينما يبدون مستعدين للحرب، نرى أيضاً البريق في عيونهم، والابتسامات الخجولة على وجوه البعض منهم، والفخر الذي لا يمكن إنكاره الذي يتشاركونه جميعاً في القتال من أجل شعبهم.

فهم ليسوا مقاتلين مجهولي الهوية في أرض بعيدة بعد الآن، إنهم أفراد.

تُخرِجُ الصور ما هو غير شخصي في الحرب وتوضِّحُ النزاع للقارئ.

وفي حين أنّ الصور رائعة، فإنه من الصعب أحياناً معرفة ما إذا كان ينبغي أن تلعن أو تشكر لورانس لنقش وجوههم في ذاكرتنا.

ولم تظهر صور مؤثرة كهذه، من الخطوط الأمامية للنزاع، منذ الحرب الأهلية الإسبانية في ثلاثينيات القرن الماضي. قدّم جوي لورانس للعالم في كتاب "جئنا من النار"، سجلاً مصوراً ومكتوباً فريد من نوعه للميليشيات الكردية ومعركتها لحماية أرضها. ربما هذه المرة لن يخونهم حلفاؤهم.

 

 

ريتشارد ماركوس

حقوق النشر والترجمة: موقع قنطرة 2022

ar.Qantara.de

 

 

--------------------------

 

اقرأ/ي أيضًا | مقالات تحليلية من موقع قنطرة

نهاية مشروع الحكم الذاتي الكردي..."لا أصدقاء للأكراد إلا الجبال والريح"

تركيا في شرق الفرات: نبع للسلام أم بؤرة جديدة لصراعات مستقبلية؟

مشروع "الإدارة الذاتية" شرقي الفرات... تراجع أم بداية انهيار؟

استياء غالبية الأتراك من الانتقادات الغربية لعملية "نبع السلام" في شمال سوريا

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة