مظاهرات فبراير 2021 في تونس من أكبر الاحتجاجات التونسية منذ عام 2011.

كتاب "حياة ثورية: يوميات الربيع العربي"
تغلغل الثورات في الحياة العربية

آصف بيات باحث اجتماعي درس الثورات وتأثيرها منذ عام 1979. في كتابه يركز على تأثير ثورات الربيع العربي على حياة الناس اليومية. حاوره توغرول فون مينده لموقع قنطرة.

بروفيسور بيات، تقول في كتابك "ينبغي أن نعرف ما الذي تعنيه الثورة في قاعدة المجتمع، وكيف تحدثُ في المجال الاجتماعي، في الحياة اليومية، وبين القواعد الشعبية". كيف تجلّت الثورة للأشخاص الذين تحدثت معهم وإلى أي مدى تعكس النظريةُ الحياةَ اليوميةَ في الواقع؟

آصف بيات: دعني أوضح أنه بجميع الأحوال لا غنى عن سردية الثورة في القمة، حول السلطة السياسية أو الدولة أو تغيير النظام، من أجل أي فهم منطقي للثورة. بيد أنها غير كافية.

ينبغي أن نعرف ما الذي تعنيه في قاعدة المجتمع. في الحالات التي فحصتها، تغلغلت الثورات في الحياة اليومية؛ عُبِّرَ عنها بمشاعر وممارسات متميزة على المستوى الشعبي وأثّرت بشكل كبير على المجال الاجتماعي.

بادر السكان المحليون في المزارع والمصانع والأحياء إلى الحصول على الأراضي الزراعية وإنشاء نقابات مستقلة والنضال من أجل الحصول على ظروف أفضل.

الغلاف الإنكليزي لكتاب "حياة ثورية: يوميات الربيع العربي" للباحث آصف بيات. Cover of Asef Bayat’s new book "Revolutionary Life: The Everyday of the Arab Spring" (source: Harvard University Press)
في كتابه، "حياة ثورية: يوميات الربيع العربي"، يصف آصف بيات الربيع العربي بأنه حالة "Refolution"، ثورة تفضي إلى الإصلاح بدلاً من التغيير الجذري.

في تونس، كان حجم الاحتجاجات الصناعية لتحسين علاقات العمل غير مسبوق. ناضل القرويون من أجل الحفاظ على الموارد المحلية وإنعاشها، ولضمان تخفيف الديون ومن أجل الحصول على بنية تحتية ومنازل وخدمات أفضل. أثارت المطالبة بمياه الري الكافية نزاعات استثنائية.

وفي المدن، شنّ الفقراء حملات لا نظير لها لتأمين ملاجئ جديدة وإسكان حكومي والحفاظ على آلاف الشقق العشوائية. اكتسبت الأحياء وظائف جديدة، تدير وتطوّر نفسها بمساعدة الشباب والناشطين المحليين.

شهدت الأسر ممارسات جديدة فيما يتعلق بعلاقات الجندر. أصبح صوت المرأة أعلى: خلعت العشرات منهن الحجاب، وعبرن عن شكوكهن فيما يتعلق بالزعماء الدينيين وتنصّلن من الإسلام السياسي.

 

نُشرِت في كتاب باللغة الإنكليزية مجموعة مقالات لعلاء عبد الفتاح وصدرت باسم "أنت لم تُهزم بعد". ما مدى تأثير هذا الكتاب على تفكيرك وعلى من تحدثت إليهم؟

بيات: أنا حريص على قراءة كتاب علاء عبد الفتاح في أقرب وقت. في كتابي "حياة ثورية" تناولت قصيدة علاء الرائعة، التي نُشِرت عشية الانتفاضة.

 

يشكّلُ أمله ورؤيته مصدر إلهام، لا سيما أن الكثيرين في المنطقة وفي المنفى يعانون من اليأس. إذا نظرنا إلى هذه الثورات من منظور الديمقراطية، يمكن أن نقول إنها عبارة عن فشل.

في الواقع، يوجد في بعض البلدان قمع أكثر مما كان عليه قبل الثورات. لكن إن غيرنا منظورنا ونظرنا إلى قاعدة المجتمعات لنرى ما الذي حصل في المجالات الثقافية والاجتماعية، فسيكون من الصعب بكل بساطة إعلان نهاية هذه الثورات لأنّ الكثير من الأفكار، وكما قلت سابقاً، قد تغيرت، طوّر الناس رؤى وتوقعات جديدة لا يمكن حتى للأنظمة المضادة للثورات تجاهلها وبالتالي يتوجب عليها تعديل سياساتها للتعامل مع هذا الوعي الناشئ وهذه التوقعات.

 

رغم أن كتابك يركّز على تونس ومصر، كيف تعتبر أحداث لبنان والعراق والسودان استمراراً لعام 2011 ولها تأثير على منطقة أوسع؟

بيات: من الإنصاف القول إنّ جميع هذه الأحداث تنتمي إلى عائلة "Refolutions" <جمع بين كلمتي إصلاح Reform وثورة Revolution، أي الجمع بين الإصلاح والثورة على عكس خيار إما الثورة أو الإصلاح/(المترجمة)>، وهي جيل جديد من ثورات القرن الحادي والعشرين غنية كحركات بيد أنها ضعيفة فيما يتعلق بالتغيير.

لديها جميعها القدرة على إنشاء نوع من التعددية السياسية، لكنها ضعيفة بشكل كبير إزاء أهواء ومكائد النخب في المناصب وحلفائها، سواء في داخل الحكومة أو في المنطقة.

لكن بقدر ما تتعلم النخب المضادة للثورة من بعضها كذلك يفعل الثوار. فالثورات في لبنان، والعراق والسودان أو الجزائر حدثت في وقت لاحق وبالتالي كان لديها فرصة للمراقبة وربما تجنب أوجه القصور للثورات التي أتت قبلها.

ويشكّل السودان خير مثال على ذلك، فقد كانت إدارته لثورته ملهمة للغاية، رغم أن الحكام العسكريين، الذين تشجعهم مصر، على أهبة الاستعداد لإلغاء وتفكيك المشروع الثوري بالكامل.

 

بالانتقال إلى دور الغرب والاتحاد الأوروبي، هل تعتقد أن الغرب قد فهم عملية الثورات؟ وما هي توقعاتك فيما يتعلق بدورهم في تعزيز الديمقراطية في المنطقة؟

بيات: أعتقد أن القوى الغربية تنظر إلى هذه الثورات بشكل أساسي من منظور مصالحها الوطنية. إن كانت إقامة الديمقراطية تخدم مصلحتها، فستدعمها؛ وإلا فإن هذه القوى الغربية ستعارض إقامة الديمقراطية.

 

احتجاجات الربيع العربي 2011.  Arab Spring protets (photo: picture-alliance/dpa)
دراسة ثورات الربيع العربي من الداخل: آصف بيات، أستاذ علم الاجتماع بجامعة إلينوي في أوربانا شامبين الأمريكية، درس الثورات وكيفية تأثيرها على الناس منذ عام 1979. في كتابه "حياة ثورية: يوميات الربيع العربي"، يسلك بيات منهجاً جديداً في دراسة الثورات من خلال التركيز على كيفية تأثيرها على المواطنين في حياتهم اليومية. وفي هذا الحوار على موقع قنطرة يتحدث حول كيفية تغير فهمه للثورات على مدى السنوات العشرين الماضية.

 

والواقع أن الربيع العربي قد أظهر مدى تناقض بعض الدول الغربية -ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية- في دعم الثورات أو معارضتها.

أفلتت تونس إلى حد كبير من انتباه الولايات المتحدة، على الرغم من أن فرنسا كانت قلقة للغاية إزاء ما كان يحدث هناك. وبقيت الولايات المتحدة مترددة فيما يتعلق بمصر، كما دعمت الانتفاضتين في سوريا واليمن، بيد أنها عارضت انتفاضات البحرين ودول الخليج العربي.

اليوم، في شمال أفريقيا، يشعر الأشخاص الذين يهتمون بالديمقراطية وحقوق الإنسان بخيبة أمل شديدة، أو بالأحرى يشعرون بالغضب، بسبب التواطؤ الملموس للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالانقلابات المضادة للثورة في مصر، وتونس، والسودان.

يشعر العديد من الأشخاص في السودان أنّ الجيش يفكّك ثورتهم الديمقراطية، ومع ذلك فإنّ رد فعل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لا يتجاوز مجرّد الكلام عن "الانفتاح الديمقراطي" في هذه البلدان دون أن يصدر أي إجراء جدي من هذه الحكومات الغربية.

 

حاوره: توغرول فون مينده

ترجمة: يسرى مرعي

حقوق النشر: موقع قنطرة 2022

ar.Qantara.de

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة