وفي كلّ مرة فإنّ تقييم الديمقراطيّة وحقوق الإنسان والتقّدم الاقتصادي الذي تحصده دول ومناطق الأغلبيّة المسلمة هو دومًا أسوأ بكثيرٍ من تقييم الدول غير المسلمة التي أٌجريت معها المقارنة.

ولا يرى كوبمانس في هذا سوى دليلٍ على صحّة فرضيّته عن كون الإسلامِ هو العائقَ الرئيس أمام التطوّر نحو الديمقراطيّة. ولو أنّ كوبمانس كان قد قارن كلّا من جنوب السودان (المسيحي) بشمال السودان (المسلم)، أو الفلبّين (المسيحيّة) بإندونيسيا (المسلمة) أو صربيا بالبوسنة أو ألبانيا بكوريا الشماليّة، لرجحت كفّة تلك الدول ذات الغالبيّة المسلمة بعض الشيء. وبالتالي فقد كان هذا سيؤدّي بداهةً بكوبمانس لتقويض فرضيّته بنفسه.

ويستحضر كوبمانس أرقامًا وإحصائيّاتٍ تفوق كمًّا تلك التي عرضها تيلو زارّاتسين في كتابه. هذا وقد تناول كوبمانس الأرقام بقدرٍ أكبر من الجديّةٍ والدقّة العلميةٍ، فهو في نهاية المطاف مختصٌّ في مجال البحث الاجتماعي الكمّي. ولكن وكما كان الحال مع زارّاتسين، فلا غاية من وراء الاستشهاد بكل تلكم الأرقام سوى تدعيم الفرضيّات الشخصيّة بالدرجة الأولى، بجعل غير المناسب مناسبًا، إذ يترك كوبمانس جانبًا كل تلك الوقائع التي لا توافق فرضيّاته. وبهذه الطريقة يسوّي كوبمانس التباين الموجود بين الدول الإسلاميّة المختلفة.

ولكن وعلى أرض الواقع، لا تكاد توجد منطقةٌ ثقافيّةٌ يضاهي تنوّع أنظمة حُكمِها تلك المنطقة المسمّاة "بالعالم الإسلامي": فإلى جانب الديمقراطيّات المدنيّة والديكتاتوريّات مرورًا بالملكيّات الدستوريّة والملكيّات المطلقة وكذلك الأنظمة العسكريّة الاشتراكيّة السابقة، وصولّا إلى الثيوقراطيّات الإسلاميّة المعاصرة، كلّها لها وجود فعلي.

نظرةٌ ثقافويّة

ومن الأمور المثيرة للعجب بالنسبة لعالم اجتماعٍ مثل كوبمانس هو الدور الضئيل الذي يُفرده هذا الأخير لمفاهيمٍ مثل الطبقة والفئة الاجتماعيّة بالإضافة لمحاولاته الحثيثة تفسيرَ كلّ الأشياء عبر ذلك المصطلح الغامض: الثقافة. ولذا يبدو أنّ كوبمانس لا يعرف، وعلى خلاف هنتغتون، والذي يستشهد كوبمانس بآرائه غير مخفٍ إعجابه به، سوى مجالٍ ثقافيٍّ وحيد: الثقافة الإسلاميّة.

ويثير الكتاب الانطباع لدى القارئ بأنّ المسلمين لوحدهم دون غيرهم لديهم "دينٌ وثقافة". لقد كان من الأجدر بكاتبٍ ما فتئ يحثّ المسلمين على النقد الموسّع لتراثهم أن يكون قدوةً لغيره وأن يُبدي مزيدًا من النقد الذاتي للثقافة التي ينتمي لها. ولكن الحقيقة هي أنّ كوبمانس لا يزال أشد البعد عن هذا.

وهو لا يكاد يخصّ الاستعمار الغربي سوى بقدرٍ ضئيلٍ جدًّا من الاهتمام دون تسليط الضوء عليه، حتّى وإن كان ضوءًا خافتًا. إذ أنّه يتجاهل صفحاته المظلمة، بل لا يذكر حتّى الأساس الأيديولوجي الذي قام عليه، أي العنصريّة، ولو بكلمةٍ واحدة. وفي الوقت الذي نراه يَعُدّ وبدقّة متناهية كل ضحيّة من ضحايا التفجيرات الإسلامويّة، لا يلتفت إلى سجلّ الخطايا الطويل الناتج عن حروب الغرب وحملاته العسكريّة متجاهلًا ذلك كليّة.

 

 

خارج إطار الزمن

"لم تكن للتدخّلات الأجنبيّة دومًا أثرٌ إيجابيّ في تحسين الأوضاع". هكذا وبكل اقتضابٍ علّق كوبمانس على الغزو الكارثيّ للقوّات الأمريكيّة للعراق. ويضيف قائلًا: "لقد أدّى هذا الغزو لضرب مصداقيّة الولايات المتّحدة الأمريكيّة على المدى البعيد". ولكن أولم يخلّف ذلك الغزو مئات الآلاف من القتلى أيضًا؟  

ولكن الظاهر أنّه لم يخطر ببال كوبمانس قطّ أنّ التدخّل الغربي يمكن أن يكون قد ساهم بإشعال نار الظاهرة الجهاديّة. فطالبان والقاعدة وتنظيم الدولة الإسلاميّة لم يكن لها أن تظهر للوجود لولا الحروب التي شهدتها كلٌّ من أفغانستان والعراق وليبيا.

وفي هذا السياق فإنّ الكتاب لا يوحي  بأنّه مواكبٌ لروح العصر. إذ أنّ الديمقراطيّات الغربيّة هي أيضًا تشهد أزمةً، وعلى الصعيد الدوليّ فإنّ الديمقراطيّة وحقوق الإنسان في تقهقر مستمرّ. وزِد على ذلك أنّ أحداث الأشهر الأخيرة في كلٍّ من العراق ومصر وإيران ولبنان أو في الجزائر قد بيّنت بأن التوق للعدالة والمشاركة في الرأي لا تزال تدفع بالناس للنزول إلى الشوارع في عديد الدول ذات الغالبيّة المسلمة. بيْدَ أنّ الذي يطمح لمعرفة السبيل لدعم أولئك الناس في مسعاهم نحو السلم والحريّة، لن يجد ضالّته لدى كوبمانس للأسف.

 

دانيال باكس

ترجمة: صهيب زمال

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

 
كتاب رُود كوبمانس: "دار الإسلام المتهاوية" في 288 صفحة، لدى دار نشر "C. H. Beck" من سنة 2020. رقم الإيداع الدولي:
 
978-3-406-74924-7
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة