دوامة من التفاصيل

يركز جوناثان على تفاصيل الحياة اليومية ودقائق الأمور ويقفز بعدسته -وبسرعة- من شخص إلى آخر، ومن مكان إلى آخر، ومن موقع إلى آخر، مما يجعل المشاهد ضبابية ويفقدها الحدة والوضوح. يذرع جوناثان مع مصوره والمقاتلين من "الجيش السوري الحر" المدينة جيئةً وذهاباً على متن الدراجات النارية وسيارات الأجرة والشاحنات وعلى الأقدام؛ ولذا فإن خصوصية الأوضاع والحارات والشخصيات تضيع في زحام تكرار الحوادث، ناهيك عن الاقتضاب والإيجاز والعجلة في الوصف.

ربما كان لطبيعة العمل الصحفي تأثير على الطريقة التي قدم بها عمله: على الرغم من أن جوناثان وضع نفسه بجانب المقاتلين، فقد بقي مراقباً خارجياً. ولكنه تمكن من التقاط تفاصيل الحياة الومية الصغيرة ودقائق الأمور، وربطها بالأبعاد الكبيرة والكلية للانتفاضة وتأثيرات القمع. ومع ذلك فإن جوناثان نفسه يشير إلى الإمكانية المحدودة لالتقاط وتقديم سردية شاملة عامة لكل ما يحدث في سوريا.

"متحف الرعب"

في خاتمة الكتاب وبفضل إدراكه المتأخر، يؤكد جوناثان في نظرة إلى الوراء: "بعد أن فرغت من الكتابة وغادرت سوريا، جن الجنون نفسه في حمص وفقد صوابه. أعتقدتُ أني رأيت ما يكفي من العنف وعرفت معناه. ولكني كنت مخطئاً؛ إذ أن الأسوء كان قد بدأ للتو...".

الكتاب أكثر من مجرد مذكرات ترصد كيف تحولت-في ظل نظام الأسد- المدن السورية الصاخبة، التي تعج بالحياة إلى "متحف للرعب"، والبداية كانت من حمص. وخلف السجل اليومي لمجريات الهجوم على حمص يكمن شجب للسياسة العالمية، التي سمحت بالتدمير المستمر لحيوات السوريين ورفع وتيرة هذا التدمير لهذه الدرجة الكبيرة، التي نشهدها اليوم: "كل هذا كان يجب ألّا يكون. كانت هناك طرق أخرى، وإمكانيات أخرى، ومستقبل آخر". ويتابع مضيفاً: "الشعار الذي يردده قادتنا العظام بلا كلل، 'لم يكن بإمكاننا فعل أي شيء'، غير صحيح. من دون لامبالاتنا القاسية، وجبننا وقصر نظرنا، ربما كانت الأمور ستكون مختلفة".

 

نهرين الموسوي

الترجمة عن الإنكليزية: خالد سلامة

حقوق النشر: موقع قنطرة ar.Qantara.de 2016

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة