كتاب رنا صويص "أصوات الأردن" - فسيفساء اجتماعية رائعة

الربيع العربي نقطة الذروة لتحول اجتماعي طويل الأمد

حاورت الصحفية رنا صويص -لحوالي عامين- 10 أشخاص من أصول مختلفة في الأردن، وصورت قصصهم الشخصية في كتاب صدر باللغة الإنكليزية تحت عنوان "أصوات الأردن"، عرضت فيه حياة الناس اليومية. مارتينا صبرا قرأت هذا الكتاب لموقع قنطرة.

"الربيع العربي تحوَّل إلى شتاءٍ باردٍ" وَ "الانتفاضات الديمقراطية فشلت" - عادةً ما نقرأ مثل هذه التقييمات في وسائل الإعلام الغربية عندما يتعلَّق الأمر بوصف أحداث عام 2011. ويُقال إنَّ الانقلابات والمظاهرات والانتفاضات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لم تجلب - باستثناء تونس - إلَّا أزمات أو حروب أو حتى  ديكتاتوريات أكثر وحشية. لذلك من الأفضل - بحسب الرأي الشائع هنا في الغرب - أن يتم التنسيق مع الأنظمة السلطوية لأنَّ الاستقرار في آخر المطاف هو الأهم.

إنَّ مثل هذه النظرة إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، المُرَكَّزة على السياسة الكبيرة، تتجاهل ما جعل أحداث عام 2011 ممكنة: فهي تتجاهل من ناحية التحوُّل الاجتماعي والثقافي السريع في المنطقة، وتتجاهل من ناحية أخرى الأفرادَ مع أهداف حياتهم الشخصية وطموحاتهم وآمالهم ورغباتهم.

صورة واقعية عن المجتمع

وهذا ينطبق حتى الآن على الأردن أيضًا. هذه المملكة الصغيرة يُنظر إليها على أنَّها قبل كلِّ شيء "مرساةٌ للاستقرار" في الشرق الأوسط، وقوةٌ معتدلةٌ بين العدوَّتين اللدودتين إسرائيل وإيران وكذلك دولةٌ مضيفة للاجئين القادمين من سوريا. ولكن في المقابل نادرًا ما تتم ملاحظة التنوُّع الثقافي والديني والعرقي في الأردن، والديناميات الاقتصادية الاجتماعية في المجتمع الأردني.

يتيح كتاب الصحفية الأردنية رنا صويص "أصوات الأردن" (Voices of Jordan) فرصة ممتازة من أجل التشكيك في وجهات النظر المُبَسَّطة وتوسيع هذه النظرة.

تعمل الصحفية رنا صويص منذ عدة أعوام لصالح صُحُفٍ منها صحيفتي نيويورك تايمز وهوفينغتون بوست، وقد أجرت العديد من اللقاءات في الأردن على مدى أكثر من عامين مع عشر شخصيات وأسرهم، وأجرت مع هؤلاء الأشخاص العشرة حوارات حول مشاكلهم وآمالهم وأمنياتهم لمستقبل أفضل.

الغلاف الإنكليزي لكتاب رنا صويص "أصوات الأردن". Hurst Publishers 2018
تُشكِّل هذه الصور الشخصية إذا نظرنا لها مجتمعة في كتاب رنا صويص فسيفساء رائعة للمجتمع الأردني - وهو مجتمع بعيد كلَّ البعد عن كونه مجتمعًا ساكنًا، بل من الواضح أنَّه في حالة تحوُّل لا يتَّضح فيها إلى أين يفترض أن يسير. أجرت الصحفية رنا صويص على مدى عامين تقريبا حوارات مع عشرة أشخاص من أصول مختلفة في الأردن، وصورت قصصهم الشخصية في كتاب صدر باللغة الإنكليزية تحت عنوان "أصوات الأردن"، عرضت فيه حياة الناس اليومية.

ومن بين الأشخاص الذين حاورتهم: نائبةٌ بارزةٌ في مجلس الأمة الأردني من مدينة جرش، وطالبةٌ في المدرسة الثانوية، ورسَّامُ كاريكاتير معروف، وسيِّدةٌ مؤثِّرةٌ في عالم الأزياء من عمَّان، وشخصٌ سلَفِيٌّ أصوليٌ من مدينة الرصيفة؛ وجنديٌّ بدوي شاب من أقصى جنوب الأردن، وسمسارُ عقارات من مدينة الفحيص، وأمٌّ سورية متزوِّجة تقيم كلاجئة في الأردن - وأخيرًا وليس آخرًا - ربُّ أسرةٍ من مدينة الزرقاء ذات الأغلبية الفلسطينية، هاجر في عام 2012 مع زوجته وأطفاله إلى الولايات المتَّحدة الأمريكية.

وعلى الرغم من أنَّ هذا الاختيار لا يمثِّل المجتمع تمثيلًا تامًا، إلَّا أنَّه ينقل صورةً واقعيةً عن المجتمع ويسمح بانعكاس وجهات النظر بشكل شيِّق، وذلك لأنَّ أبطال وبطلات هذا الكتاب من الشباب وكذلك من كبار السن، من المسيحيين ومن المسلمين، ومن أصول عربية أو شركسية أو فلسطينية أو ممن يعرفون باسم شرق أردنيين (أهالي شرق الأردن).

حقائق حول التاريخ وصور عائلية متعدِّدة الطبقات

لا تنقل رنا صويص الحوارات في هذا الكتاب من دون تدخُّل. فهي تربط حواراتها بسرد حقائق حول تاريخ الأردن وكذلك حول السياسة الحالية والمجتمع في هذا البلد. وتتخلل ذلك فقراتٌ تصف فيها رنا صويص بالتفصيل كيف وأين جرت هذه الحوارات. وفي بعض الأحيان يمتد عملها هذا أيضًا إلى أصدقاء وأقارب أبطال الكتاب. وهكذا تنشأ صورٌ عائلية مثيرة جدًا للاهتمام ومتعدِّدة الطبقات، وفي بعض الحالات تمزج بين الخاص والسياسي.

 

{الربيع العربي ليس مجرَّد ثورة فاشلة، بل هو أيضًا نقطةُ الذروة لتحوُّل اجتماعي طويل الأمد، يبحث عن تعبيره السياسي. والسعي إلى قمع هذا التحوُّل باسم أي نوع من الاستقرار هو مشروع مشكوك فيه}.
 

تخلق رنا صويص تقارُبًا مؤثِّرًا، ولكنها تحافظ أيضًا على مسافة محترمة، حيث تجد ذلك مناسبًا. إذ إنَّ بعض أبطال كتابها يميلون إلى التحفُّظ في المواضيع الخاصة. بينما يتحدَّث آخرون بشكل شخصي جدًا حول الصراعات والأزمات العاطفية. ومع ذلك فهي تتناول كلَّ شيء تقريبًا: الدين والأسرة والزواج والعلاقات بين الجنسين، وكذلك المشكلات السياسية والاقتصادية.

يشرح الشاب البدوي سلطان المزنة لماذا كان يريد بإلحاح - ولأسباب تتعلَّق بالأمن المادي - أن يصبح جنديًا ولماذا يُفضِّل البقاء في القرية مع زوجته بدلًا من الانتقال إلى المدينة. ويتحدَّث بشكل شخصي للغاية رسام الكاريكاتير الأردني البارز عمر العبداللات حول الأزمات الإبداعية ويصف بوضوح تجاربه مع الرقابة والرقابة الذاتية في مؤسَّسات الإعلام.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.