تَمضِي أمور هذه العائلة الصغيرة نحو الأسوَأ. ثم تأتي عَرَبات الكتائب المُسَلَّحَة لتُهاجِم كوخ العائلة. يستَخرِج رجال الأمن من تحت الأرض الخَمر المُصَنَّع دون ترخيص، يَصُبُّونه بعيدًا، ثم يَهُمُّون بِاعتقال الزوجة. يُخَيِّم الصَّمت المُطبِق على الزوجين لحظة اختفائها: "كُنتَ تَعلَم أنها كانت تريد أن تقول شيئًا، ولكن...!!؟؟".

يعُود الأطفال بعد مُطارَدة عَرَبَة الشرطة، ليجدوا أن عليهم أن يَعتَنُوا بوالدهم الذي لا نَعرف له اسمًا. وإن كُنّا نعتقد أن الأمور لن تزداد سوءًا بعد سوء، فنحن مُخطِئون: تَهدِم مَعاوِل جَرَّارت دائرة التخطيط غرفة العائلة الوحيدة، ويُصبِح الزوج-الوالد بلا حَولٍ ولا مأوى. وكُل ما يُمكِن لأطفاله أن يفعلوا للعناية به هو الإمساك بمُلاءَة مُشَمَّعَة حوله لحمايته من مَطَر مُحدِق.

 فِقدان الشيء – فالعثور عليه

يَنتَقِل الجزء الثاني من قصة "نحو الجنون" إلى مَنظُور الأُم. نَسمَع ولأول مرَّة أسماء السَّجينات الأُخريات من خلال مَعمَعَة صوتيَّة: "أسماء وأسماء عَشعَشَت في الذاكرة، بنفس طريقة خروجها كَسِيحَة الحُرُوف من ألسِنَة المُنادِيات".

 

 

إذًا، يُمكِنُنا أن نَتَصَوَّر أن السجينات هُنّ من جنوب السودان لأنهنّ يَحمِلن أسماء يصعب على سجَّاناتهن الشَّماليَّات أن يَلفظنها. عندما تَخرُج بطلتنا التي نَجهَل اسمها من السجن، تَسعَى يائسةً إلى العثور على زوجها وأطفالها. في نهاية شائكة، تجد ضالّتها، ثم لا تجدها. تتكرَّر الشخصيات التي تَفقِد – ثم تَجِد – بعضها البعض طَوَال قصص "زُهورٌ ذابِلَة". 

في قصة "خرائط لِعَوالِم مجهولة"، يَخرُج طفل يتيم مع أخته كل يوم إلى المدينة للتسوُّل ولنَشل المارَّة بحثًا عما يَسِدّ رَمَقَهُما. عندما تُوقِظ الأخت أخاها الأصغر في بداية الحكاية بلَكمَة مُفزِعة كعادتها، يستيقظ الصَّبِيّ الحالِم وقد "رأى الخارطة التي رَسَمَها تبوُّله الليلي، لا بُد أنها بلاد يحلم بزيارتها يومًا".

ونظراً لأن الأخت كَسِيحَة في نصف جسدها الأسفل، فعلى الأخ أن يحملها أثناء سعيهما اليومي. بعد أن اشتَدَّت حِدَّة الشجار بينهما في أحد الأيام، قرَّر الصَّبِيّ ترك أخته، والتقى عوضًا عن ذلك ببعض المُشَرَّدين ليقضي معهم بقية يومه. يعود الصَّبِيّ لأخته فيما بعد، إلا أنها كعادتها لا تُبدي له أي امتنان.

نُشِرَت المجموعة القصصيَّة الثانية لإستِيلّا قايتانو بعنوان "العودة" بعد عَقد من الزَّمَن من مجموعتها الأولى، مع تركيز المَقولة فيها على العائلات العائدة إلى جنوب السودان. على الرغم من أنها لم تَنشُر العديد من الكتب، ورغم أنها تعيش بعيدًا عن حَواضِر الأدب العربي، مازال صوت قايتانُو فريدًا ومؤثِّرًا في المَشهَد الثقافي هناك.

نَأمُل أن تَستمِر إستِيلّا قايتانُو في الكتابة باللغة التي وَصَفَتها في مقابلة لها مع صحيفة نيويورك تايمز عام 2015 على النحو التالي: "أُحِبّ اللغة العربيَّة وأعشق الكتابة بها. مثلي مثل المؤلفين الذين يكتبون بلغةٍ ليست الأولى عندهم؛ فأنا بذلك لا أختَلِف عنهم".

 

مارسِيا لِينكس كوِيلِي

ترجمة: ريم الكيلاني

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة