وهكذا يزداد مع زيادة مشاركة المهاجرين أيضًا وعيُهم بالتمييز - وتزداد كذلك حساسيَّتهم تجاهه. وفي حين أنَّ جيل المهاجرين الأوَّل قَبِلَ حتى بالاقصاء الصارخ من دون أية شكوى تقريبًا، وذلك لأنَّه لم يكن يتوقَّع أي شيء آخر ولأنَّه أيضًا لم يكن في وضع يسمح له بالدفاع عن نفسه، يردُّ أبناؤهم وأحفادهم على التمييز الدقيق نسبيًا بشكل أكثر حساسية لأنَّهم ينظرون إلى أنفسهم على أنَّهم متساوون في الحقوق.

مع الاندماج تزداد التوقُّعات والمطالب. ولكن عنصرية مجتمع الأكثرية لا تختفي لمجرَّد أنَّ اندماج المهاجرين ينجح بشكل أفضل - بل على العكس من ذلك، فالعنصرية يمكن لها حتى أن تزداد وتُسْتَخدم من أجل صدّ منافسة غير مُحَبَّذة صارت فيها مواجهة بين أنداد متكافئين.

{في حين ينتظر بعض الألمان الأصليين من المهاجرين التكيُّف والانسجام مع المجتمع الألماني ينتظر المهاجرون -وبالذات المندمجون اندماجاً جيداً- الاعتراف بهويتهم اللغوية والدينية. وهذا يؤدي إلى صراعات تزداد كلما تقدم اندماج المهاجرين إلى الأمام.}

غلاف كتاب "مفارقة  الاندماج" باللغة الألمانية - يشرح علاء الدين المفعلاني في كتابه الصادر تحت عنوان "مفارقة الهجرة" لماذا يؤدِّي الاندماج الناجح في ألمانيا إلى مزيد من الصراعات.   Quelle: Kiepenheuer & Witsch
من الواضح بالنسبة لعلاء الدين المفعلاني أنَّ ألمانيا تعيش أفضل حقبة زمنية في تاريخها، وتُعدُّ واحدة من بلدان الهجرة الأكثر شعبيةً في العالم. وبحسب تعبيره ألمانيا يجب أن تبقى في المستقبل نقطة جذب للمهاجرين، وهذا التحوُّل يجب تشكيله. وكتاب علاء الدين المفعلاني يساعد على فهم هذا التحوُّل. أصبح في ألمانيا أبناء المهاجرين السابقين وأحفادهم يريدون المشاركة في صنع القرار. يشرح علاء الدين المفعلاني في كتابه الصادر تحت عنوان "مفارقة الاندماج" لماذا يؤدِّي الاندماج الناجح في ألمانيا إلى مزيد من الصراعات.

وعلاء الدين المفعلاني يبيِّن ذلك من خلال التعامل مع الحجاب: طالما كانت ترتديه فقط عاملات النظافة، لم يكن الحجاب يثير أية مصادمات في المباني المدرسية أيضًا. وفقط عندما أرادت أوائل المعلمات المحجَّبات التدريس وهنّ محجَّبات، حدثت المقاومة.

العناية بثقافة النقاش باعتبارها "ثقافة رائدة"

يدعو علاء الدين المفعلاني إلى العناية بثقافة النقاش باعتبارها "ثقافة رائدة". ويكتب: يجب على المرء ألَّا يخاف من الصراعات، فالصراعات تدفع المجتمعات إلى الأمام وتؤدِّي إلى إبداعات اجتماعية. ولكن يجب على المرء الكفاح من أجل إحراز التقدُّم، فالتقدم لا ينزل من السماء. وفيما يتعلَّق بموضوع الاندماج، يُركِّز علاء الدين المفعلاني على المجتمع برمَّته.

ويكتب أنَّ العيش في مجتمع مفتوح يُمثِّل تحدِّيًا مستمرًا، وهو أمر مُرهق بالنسبة للوافدين وكذلك للسكَّان الأصليين. ويضيف أنَّ العولمة الاقتصادية والتواصل عالميًا والسياحة والهجرة تزيد التوتُّر النفسي. وبشكل عام يميل المهاجرون إلى الثقافة المحافظة، وبعضهم يلوذون إلى دينهم بشكل متزايد.

ولكن حتى السكَّان الأصليون يشعرون بأنَّهم يتحمَّلون أكثر من طاقتهم ويلجؤون إلى الحنين إلى ماضيهم الوطني. وهذا ما يُفسِّر الصعود الحالي لليمين الشعبوي.

{تعتبر ألمانيا محظوظة لأن مواطنيها الشعبويين لم يستطيعوا الاتفاق على تحديد ما هي "تلك الأيام الطيبة الماضية"، التي يرغبون في العودة إليها، مثلما يسخر علاء الدين المفعلاني.}

وفي هذا الصدد تعتبر ألمانيا محظوظة لأنَّ مواطنيها الشعبويين لم يستطيعوا الاتِّفاق على تحديد ما هي الآن "تلك الأيَّام الطيِّبة الماضية"، التي يرغبون في العودة إليها، مثلما يسخر علاء الدين المفعلاني. هل هي جمهورية ألمانيا الاتِّحادية (الغربية) في فترة الخمسينيات؟ أم جمهورية المانيا الديمقراطيه (الشرقية)؟ أم حتى الحقبة السابقة؟

في المقابل من الواضح بالنسبة لعلاء الدين المفعلاني أنَّ ألمانيا تعيش - مثلما يكتب - أفضل حقبة زمنية في تاريخها، وتُعدُّ واحدة من بلدان الهجرة الأكثر شعبيةً في العالم: لديها اقتصاد قوي وسوق عمل مفعمة بالنشاط ودولة مستقرة وثقافة متنوِّعة - هذه الصورة الإيجابية تشعُّ في جميع أنحاء العالم. وبحسب تعبيره ألمانيا يجب أن تبقى في المستقبل نقطة جذب للمهاجرين، وهذا التحوُّل يجب تشكيله. وكتاب علاء الدين المفعلاني يساعد على فهم هذا التحوُّل.

 

 

دانيال باكس
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: العددين الـ3 والـ4 من مجلة التبادل الثقافي التابعة لمعهد العلاقات الخارجية الألماني (إيفا) 2018 / موقع قنطرة 2019

ar.Qantara.de

 

 
كتاب البروفيسور علاء الدين المفعلاني: "مفارقة الاندماج - لماذا يؤدِّي الاندماج الناجح إلى مزيد من الصراعات"، صدر عن دار نشر كيبِنهُويَر وفيتش، في كلولنيا سنة 2018، في 240 صفحة، تحت رقم الإيداع:
ISBN: 978-3-462-05164-3

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.