كتاب "ما هو الفن الإسلامي؟" للمؤرخة ويندي شو

الفن الإسلامي جزء من أوروبا والأمريكيتين

"نحن ننمو حين نقفز خارج مداراتنا الاعتيادية وقد نتألق حين نقفز للوراء". كيف نُقَدِّر ثراء الثقافات الأخرى؟ في كتابها "ما هو الفن الإسلامي؟ بين الدين والإدراك" تدعو أستاذة تاريخ الفن في الثقافات الإسلامية يندي شو إلى التخلي عن الإدراك المرتكز على الرؤية الذاتية للفن وللجمالية، واستبداله برحلة اكتشاف متعددة الحواس. حاورتها لوسي جيمس لموقع قنطرة.

بروفيسورة شو، عند التفكير فيما يتعلق بالفن الإسلامي، يكون لدى الكثير من القراء الغربيين مفاهيم مبهمة حول التمثيلات غير التصويرية وحول الأنماط أو الوحدات الزخرفية والخط. ما مدى دقة هذه الصورة؟

ويندي شو: أعتقد أنّ هناك شيئين يربطهما الناس بسهولة بالفن الإسلامي. الأمر الأول هو فكرة تحريم الصورة. والأمر الثاني وجود عناصر غالباً ما يُنظرُ إليها بوصفها زخرفية، بما في ذلك الأنماط السطحية والخط. وفيما يتعلق بالأمر الأول: لا يوجد تحريم للصور، تماماً كما لا يوجد تحريم للصور في التقليد اليهودي. كلا التقليدين الفقهيين خطابيان، وبالتالي فإنّ مثل هذا الحظر الشامل والكلي من الناحية الهيكلية ليس له سلطة حاكمة مركزية.

النقاشات المسهبة في داخل العالم الإسلامي حول معاني أنواع التمثيلات وآثارها المختلفة -المتراوحة من عبادة الأصنام إلى الاتحاد مع الإله- تتجاوز فهمنا لما هو تصويري. ومثل هذه النقاشات، التي غالباً ما يُعبَّر عنها بأشكال سردية أو شعرية بدلاً من الأشكال المباشرة، تشمل كيف أن الأنماط الزخرفية والموسيقى وحتى الأحلام قد تعمل كتمثيلات.

ففي كل شيء من الكتابة إلى العمارة، تُعبَرُ الحدود بين النص والصوت والصورة والمادة. وبالتالي فإنّ فكرة الـ "زخرفة" في مقابل الـ "تمثيل هادف" هي فكرة لا تعمل.

والمناقشة الشائعة حول حظر الصورة ليس خاطئةً فحسب، بل إنها مملة أيضاً. فهي تخفي تاريخاً جمالياً وفكرياً معقداً ومشوّقاً يوسّع من كيفية تمكننا من إدراك علاقاتنا مع العالم والتعبير عنها.

تكتبين عن "اكتشاف ما هو ليس بتاريخ فن". ماذا كان دور الفن -وربما بشكل أكثر تحديداً: الشعر - في الإسلام عبر القرون؟

 

 

شو: إنّ مصطلحي "الفن" و"التاريخ" يضعان بعض الأشياء التي تُعتَبرُ "جميلة" أو "عزيزة" في إطار عبر الزمان والمكان. لكن لا تحديدات القيمة هذه -ولا ارتباطها بالزمن والمكان- يحكمان معاني الأشياء كما هي معيشة ضمن الثقافةِ. قد تكون طاولة طعامك من شركة إيكيا، بيد أنّ معناها بالنسبة لك يُستَمدُّ من الوجبات والحوارات التي تدور حولها خلال جلوسك إليها. إنْ تعرّفت على زمن طاولتك ومكانها، فذلك ليس غير صحيح، بيد أنّ ذلك بالتأكيد لا يحدّد ثقافتك. وبصورة مماثلة، فإنّ بلاطة من القرن الثالث عشر في الأناضول -صُنِعت في عهد السلاجقة- لا تخبرني بشيء عن ثقافة الناس الذين شاهدوها على جدارهم، ناهيك عن ثقافة الناس في الأناضول اليوم.

أحاول الانتباه إلى كيفية تعبير الناس في الماضي عن علاقتهم مع كونهم بشراً في العالم، بما في ذلك إدراكهم لما هو إلهي من خلال أشكال مصنوعة نفكر بها بوصفها فناً. وغالباً ما عبّروا عن ذاتهم من خلال الشعر. هذا الشعر كان مرتبطاً بتقاليد متنوعة، تتجاوز ما هو إسلامي -مثل الفلسفة اليونانية والمسيحية واليهودية والبوذية والهندوسية- وتضمن المعرفة اللاهوتية.

وعبر التعرّف على هذه العلاقات، آخذ بعين الاعتبار كيف أنّ الأشياء التي نراها بوصفها "فنّاً" نقلت المعنى للناس الذين عاشوا معها في زمنها، بالمصطلحات التي استخدموها - كما نفهم العالم من حولنا من خلال كلمات أغنية، واقتباسات من فيلم، ومن خلال الأدب.

ما الذي شكّل تقديرنا للفن في أوروبا والعالم الغربي؟

شو: بما أنّ فئاتنا المعاصرة لا يمكنها أبداً تغطية جميع الأزمنة وجميع الأماكن، يحب المؤرخون أن يأخذوا بعين الاعتبار تاريخ الكلمات والفئات التي نستخدمها. يتحدث كتاب رائع، نشره "لاري شاينر" في عام 2001 بعنوان "اختراع الفن"، حول كيف أنّ هذه الفئة هي أمر خاص بنمو الرأسمالية في أوروبا الغربية.

عمل فني من الفترة السلجوقية (1081 - 1307) - منطقة كونيا - تركيا.  (source: Wikimedia Commons; Metropolitan Museum of Art)
ضد الإقصاء: تقول مؤرخة الفن ويندي شو أستاذة تاريخ الفن في الثقافات الإسلامية بجامعة برلين الحرة: "من خلال بذل الجهود اللازمة للقفز خارج مداراتنا الاعتيادية فإننا ننمو، وربما -إن كنا محظوظين- حين نقفز إلى الوراء قد نتألق ... القدرة على التفكير خارج نطاق ما نعرفه بالفعل-وهذا ما ندعوه البصيرة، أو الإلهام ... الانتقال بين الثقافات الإدراكية هو مثل السفر، ليس بالجسد بل بالعقل أو حتى بالروح ... "من أجل أن يتحرّر تاريخ الفن من الاستعمارية، نحتاج إلى الابتعاد عن تطبيق المصطلحات الأوروبية الحديثة على بقية أرجاء العالمِ. وبدلاً من ذلك نحتاج إلى التراجع قليلاً والإقرار بالفئاتِ الأخرى". وتضيف شو "إن اقتراحي ليس تنافسياً؛ أي أنّ ذلك لا يعني أنّ طريقة معرفة معينة أفضل من بقية الطرق. بل أنّ هناك ثراء في الطرق المتوفرة في الثقافات الإدراكية المتعددة والتي تفشل طرق المعرفة الحالية في إدراكها (في تاريخ الفن وغيره). يتيحُ تاريخُ الفن المتحرر من الاستعمار التعرّفَ على هذه الطرق بكل أشكالها". وتضيف: "العالم الحديث يروضنا من خلال أيديولوجيات الوطنية، التي نعرّف أنفسنا وفقها بشكل قاطع".

تنظرُ العديد من التحقيقات في تاريخ الفن -ولا سيما تلك التي أُجرِيت منذ الثمانينيات- في كيف استُخدِمت الفئةُ في بناء ونشر قصة للحاضر تناسب القيم المعاصرة - العبقرية الفردية، التخصص، روح المنافسة، والعلمانية. إذاً كيف وصلت النقاشات الأوروبية حول منظور وتعاريف الصورة إلى تأطيرِ الفئات التي نعتبرها الآن أمراً طبيعياً؟

في القرن التاسع عشر، أصبحت دراسة "تاريخ الفن" إحدى الطرق التي يمكن من خلالها إعادة التفكير في منطقة أطِّرت سابقاً بوصفها "مسيحية" من زاوية "الغرب"، وبذلك نقلت العديد من الممارسات التي ارتبطت سابقاً بالعبادة إلى تقدير الفن.

تؤطِّرُ هذه الفئات الحديثة فهمنا؛ بيد أنه بإمكاننا توسيعه من خلال التعرّف على فئاتٍ متعددةٍ. وهذا يختلف عما يفعله تاريخ الفن العالمي عموماً في إضافةِ ثقافات أخرى إلى مجموعة من المصطلحات وسلسلة من الطرقِ المُدمجة مسبقاً في تاريخ الفن.

وفي حين أنّ كتابي يفحص الطريقة التي عُبِّرَ بها عن الإدراك في الخطابات الإسلامية، علّق العديد من زملائي بأنّ ملاحظاته أيضاً لها أهمية لأولئك الذين يدرسون أوروبا العصور الوسطى، حين لم يكن الناس يتعاملون مع العالم من خلال مصطلحات مثل "فن" و"علمانية" و"تاريخ".

تشيرين إلى تأثير الفن الاستعماري الأوروبي المعياري على قدرتنا على التقدير الحقيقي للفن في أماكن أخرى. كيف يمكننا تحرير أنفسنا من هذه "النظرة الساذجة"؟ ما الذي ينبغي علينا فعله تالياً؟

شو: لا أقول أنّ نظرتنا ساذجة أو فارغة، إنّها مملوءة مسبقاً. نحمل ما نحن عليه معنا طوال الوقت، مما يمنعنا غالباً من التفكير بطرقٍ جديدةٍ. وإذ أقول ذلك، أنا لا أفرّقُ حقاً بين مسلمين وغير مسلمين: فنحن جميعنا حديثون سوية، أي أننا نواجه العالم من خلال فهم مشترك لمصطلحات مثل الفن، والدين، والعلمانية، والتاريخ، والصور، والرؤية. وهذا ليس بأمر خاطئ بمقدار ما أنّه مقيِّدٌ.

 وعن طريق التفاعل مع كيفية تعبير الثقافات الأخرى عن نفسها، يمكننا عقلياً الدخول إلى إطارها المرجعي. إنْ قرأت الكثير من الشعر الإسلامي، أبدأ بالتعرّف على عالمي من خلال هذه المصطلحات. وحين نزيحُ أنفسنا من طريقة تفكيرٍ إلى أخرى، نبتعدُ عن التعلّم حول الآخرِ -من موقع الهيمنةِ- إلى التعلّمِ من الآخر، مما يسمح بالإقرار بالمساواةِ.

ومن أجل أن يتحرّر تاريخ الفن من الاستعمارية، نحتاج إلى الابتعاد عن تطبيق المصطلحات الأوروبية الحديثة على بقية أرجاء العالمِ. وبدلاً من ذلك نحتاج إلى التراجع قليلاً والإقرار بالفئاتِ الأخرى... ومن ثم نسمح لهذه الفئات بالتأثير في استكشافاتنا الجديدة. يركّز عملي على بعض نواحي الطيف الواسع الذي يشكّل الثقافة "الإسلامية"، ومع ذلك فإنه مجرد واحد من العديد من الأطر التي يمكن من خلالها تعلم استيعاب العالم. ونحن نستفيد استفادة كبيرة من الاحترام المتساوي والمتبادل بين الأنظمة الثقافية.

"مثل إلكترون يتحرك بين المدارات في ذَرَّة"

ما هي "الثقافة الإدراكية" وما هي التأثيرات العملية للمتخصصين في الفن؟

شو: شخصياً، أصبحت أكثر وعياً حول كيف أنّ الكلمات تحدُّ من العالم الذي أحاول فهمه. بدأت مع "الفن"، ومن ثم أدركت أنه ينبغي لي أن أشمل الموسيقى، والطقوس، والفلك، والشعر، والأحلام؛ وما كنت أتعامل معه لا ينطوي على أي معارضة للـ"طبيعة"، كما ينطوي التقليد الأوروبي على "الثقافة في مقابل الطبيعة". كان من الواضح أنني بحاجة إلى فئة أوسع من الفن، تشير إلى ممارسة استيعاب العالم من خلال الأشياء المصنوعةِ.

هذا ما اسميه الثقافة الإدراكية: الثقافة، أو مجموعة القوى، التي تعلّمنا كيف نفهم العالم. اقتراحي هو أنه يمكننا الانتقال بين الثقافات الإدراكية مثل إلكترون ينتقل على المدارات في ذرة. هذه الحركة تتطلب طاقة: يتطلّب الانتقال العملَ، والبحث، والقراءة - بيد أنه يمكن أيضاً أن ينبعث من هذا الانتقال الضوء، أي فوتون بالنسبة للفيزياء، وبَصِيرة بالنسبة لنا. والممارسات التي نعترف بها -نحن الحداثيين- على أنها فن تتطلبُ هذه القدرة على التفكير خارج نطاق ما نعرفه بالفعل - وهذا ما ندعوه البصيرة، أو الإلهام. الانتقال بين الثقافات الإدراكية هو مثل السفر، ليس بالجسد بل بالعقل أو حتى بالروح.

 

 
 
وأي شخص يرسم يعرف كيف يبدأ برؤية العالم بطريقة مختلفة عند الرسم. حين أرسم أنماطاً هندسية، أنسخ رسومات مخطوطة، أو أعزف موسيقى عربية-تركية كلاسيكية على عودي، أبدأ بمقابلة العالم من حولي بشكل مختلفٍ. وبالمثل، حين أقرأ شعراً من العالم الإسلامي (مترجماً)، لا أبدأ بالتعرف على استعاراته في العالم من حولي فحسب، بل أوضّحُ أفكاري من خلال الاستعارات التي غالباً ما تنقلها بفعالية أكبر من الكلام المباشر.

كما أنّ الأشخاص الذين يمارسون الطقوس -بمعنى أي شيء من الممارسات الدينية إلى صناعة الفخار أو اليوغا أو الجري- يعيشون أيضاً آثاراً مماثلة. تعتمد الثقافة التي نتعامل من خلالها مع العالم على ما نفعله فيه. بينما نتعلم أكثر من مصادر متعددة، نتعرف على أنفسنا ونعبّر عنها في ثقافات إدراكية متعددة.

ولطالما جرى تحليل التفاعل عبر الثقافات من خلال فكرة "التأثير"، التي تُعتبر ملهمة للتنقيب في الأنماط - من صناعة القرن التاسع عشر إلى النقاشات المعاصرة حول الاستيلاء الثقافي. بيد أنّ هذا كله على السطح. والأسطح تعكسُ تاريخاً عميقاً ومجموعة واسعة من اللقاءات ذات المغزى.

تطمس الثقافة الإدراكية الإسلامية العديد من الحدود التي نعتاد عليها، بين كل من الحواس ووسائل الإعلام المختلفة. ما هو الفن حين يكون عضو الإحساس الأولي هو القلب؟ حينها بإمكان العمارة أن تكون شعراً؛ وبإمكان الموسيقى أن تكون معبِّرة؛ وبإمكان علم الهندسة أن يُعلَّمُ من دون رموز. من المستحيل التنبؤ بما الذي سيكتشفه أي أحد -بمن فيهم الفنانون- من خلال استيعاب الثقافات الإدراكية المتعددة. بيد أنّ هناك شيئا واحدا مؤكدا: من خلال بذل الجهود اللازمة للقفز خارج مداراتنا الاعتيادية، فإننا ننمو. وربما -إن كنا محظوظين- حين نقفز إلى الوراء قد نتألق.

هل يحتفظ تقليد تاريخ الفن الأوروبي بأي قيمة على الإطلاق في خطاب القرن الحادي والعشرين ما بعد الاستعماري؟ وكيف يمكننا التوفيق بين فرضياته القائمة في شروط مرجعية موسّعة مثل هذه؟
 

الغلاف الإنكليزي لكتاب "ما هو الفن الإسلامي؟ بين الدين والإدراك" لمؤرخة الفن ويندي شو أستاذة تاريخ الفن في الثقافات الإسلامية بجامعة برلين الحرة. (published by Cambridge University Press)
اكتشاف ما هو ليس "تاريخ فن": تقول شو "قد تكون طاولة طعامك من شركة إيكيا، بيد أنّ معناها بالنسبة لك يُستمدُّ من الوجبات والحوارات التي تدور خلال جلوسك إليها. إن أدركت زمن ومكان طاولتك، فذلك ليس غير صحيح، بيد أنّ ذلك بالتأكيد لا يحدّد ثقافتك. وبصورة مماثلة، بلاطة من القرن الثالث عشر في الأناضول -صُنِعت في عهد السلاجقة- لا تخبرني بشيء حول ثقافة الناس الذين شاهدوها على جدارهم، ناهيك عن ثقافة الناس في الأناضول اليوم". وتضيف مؤرخة الفن ويندي شو أستاذة تاريخ الفن في الثقافات الإسلامية بجامعة برلين الحرة: "بالطبع يحتفظ تاريخ الفن والفن الأوروبي بالقيمة. ولكن هذه القيمة لا ينبغي أن تكون على حساب الآخرين ... أي شخص يرسم يعرف كيف يبدأ برؤية العالم بطريقة مختلفة عند الرسم. حين أرسم أنماطاً هندسية، أنسخ رسومات مخطوطة، أو أعزف موسيقى عربية-تركية كلاسيكية على عودي، أبدأ بمقابلة العالم من حولي بشكل مختلفٍ. وبالمثل، حين أقرأ شعراً من العالم الإسلامي (مترجماً)، لا أبدأ بالتعرف على استعاراته في العالم من حولي فحسب، بل أوضّحُ أفكاري من خلال الاستعارات التي غالباً ما تنقلها بفعالية أكبر من الكلام المباشر".

شو: منذ حوالي التسعينيات، فإنّ تاريخ الفن ما بعد الاستعماري -بما في ذلك الكثير من أعمالي المبكرة- يهتمُّ بالـ "ماذا"، توسيع لائحة ما يمكن إدراجه كفن، من حيث المنطقة ومن حيث التمييز بين الفن والحرفة. ويعود هذا إلى أنّ الاهتمام الضمني القوي بتاريخ الفن، الـ "لماذا"، هو من أجل تأكيد الهويات الوطنية الجماعية بتواريخ واضحة. ومع ذلك فإن الـ "متى" -كيف تخدم الطرقُ احتياجات مختلفة في أوقات مختلفة- قد تغيّرت، عاكسةً اهتماماتنا واحتياجاتنا المتغيرة. وبالنتيجة فإن أساليبنا بحاجة إلى أن تتطوّر أيضاً.

 إنهاء الاستعمار وتعدّد الأساليب

ليست الإضافة التي أقترحها ما بعد استعمارية، بل إنها تخلّص من الاستعمار. وتشير إلى أنّ هنالك العديد من الطرق لمعرفة العالم، والتي تستفيد من الثقافات الإدراكية المتعددة. وأنا أواصل تقدير المعرفة التاريخية الفنية التي أملكها، وضع الأشياء في زمانها ومكانها، تفسير معانيها التصويرية وما إلى ذلك. بيد أنني أقدّر طرقاً أخرى من المعرفة كذلك، التي تستفيد، على سبيل المثال، من التقليد الشعري الإسلامي.

إن اقتراحي ليس تنافسياً؛ أي أنّ ذلك لا يعني أنّ طريقة معرفة معينة أفضل من بقية الطرق، بل إنّ هناك ثراء في الطرق المتوفرة في الثقافات الإدراكية المتعددة والتي تفشل طرق المعرفة الحالية في إدراكها (في تاريخ الفن وغيره). يتيحُ تاريخُ الفن المتحرر من الاستعمار التعرّفَ على هذه الطرق بكل أشكالها.

مثل هذا التعدد أمر طبيعي بالنسبة لي. وقد تطلب مني ذلك وقتاً طويلاً ["نصف حياة"] لكي أتمكن من التعبير عنه بوضوح، لأنّ العالم الحديث يروضنا من خلال أيديولوجيات الوطنية، التي نعرّف أنفسنا وفقها بشكل قاطع. بيد أنّ العديد منا مهاجرون، بمزيج معقد وموروثات من الحركة عبر المكان، إضافة إلى الحركة عبر الطبقة.

يمارس العديد منا ثقافات متعددة في الوقت ذاته. نحن نرمِّز التحول، نحن نشكّل التحول. لقد أصبحنا معتادين بشدة على أنظمة الهيمنة بحيث أنّ ادّعاء المساواة يبدو أمراً راديكالياً، في حين أنّه في الواقع أمر أساسي تماماً. لذلك بالطبع يحتفظ تاريخ الفن والفن الأوروبي بالقيمة. ولكن هذه القيمة لا ينبغي أن تكون على حساب الآخرين.

دارت نقاشات عديدة في السنوات الأخيرة حول اندماج المهاجرين ولا سيما المسلمين منهم في الثقافة "اليهودية-المسيحية" الأوروبية. ما رأيك في هذا؟

شو: "اليهودية-المسيحية" تبدو من المصطلحات التي لا تحتاج لتفسير. ولكن لنتأمل في هذا: في عام 1933، لم يكن هناك "غرب يهودي-مسيحي". مصطلح يهودي-مسيحي استُخدِم في بادئ الأمرِ في ألمانيا كتشويه سمعة من البروتستانتيين ضد الكاثوليكيين لبقائهم "عميان" أمام الدين الحقيقي، وبالتالي لكونهم يهوديين جداً.

وفي الخمسينيات، أعيد تدوير المصطلح في الولايات المتحدة الأميركية بوصفه أداة للاندماجِ، ومنها انتشر إلى أوروبا- في وقت كانت فيه أوروبا، بعد ألف عامٍ من الاضطهاد الدوري (منذ الحملة الصليبية الأولى)، قد أفنت عملياً سكانها اليهود. تشير "أوروبا اليهودية-المسيحية" إلى ميراث كتابي، بيد أنها تعتمد على الغياب المادي لليهود. وبالمثل، في استعراض عام لتاريخ الفن الأوروبي لا يوجد الكثير من اليهود. لذا فإنني أعترض على أنه مصطلح للاندماج؛ أميل إلى أن أصنفه على أنه خرافة مكّنت من إعادة توحيد أوروبا، واستمرار تعريفها [الهوياتي] الذاتي في مواجهة الإسلام.

 

 
 
الإسلام ليس أجنبياً على "الغرب" أكثر مما "الغرب" أجنبي على الإسلام

على العكس، خضعت أجزاء من أوروبا للحكم الإسلامي لثمانمائة عام في إسبانيا ولخمسمائة عام في البلقان، وعاش في ظلها اليهود والمسيحيون، إن لم يكونوا متساويين مع باقي السكان فقد كانوا محميين نسبياً - وهذا واضح لأنهم نجوا، وحتى أنهم ازدهروا، غالباً مثل الأغلبية. ولا أقصد أنّ كل مكان كان سلمياً، لكن لم تحدث التحالفات ولا الخلافات على أساس الأديان دائماً.

والثقافات الإسلامية جزء لا يتجزأ من أوروبا، سواء بشكل بنّاء (كل شيء من الجبر إلى الفلامنكو إلى الحب البلاطي إلى علم البصريات)، وفي وعي أوروبا بذاتها في مواجهة القوى الإسلامية القادمة من الجنوب ومن الشرق. كما أنّ الإسلام جزء لا يتجزأ من أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية - فحوالي ربع العبيد الذين تم شراؤهم من غرب إفريقيا كانوا مسلمين؛ الكثير من الجمال الإسباني في ولايتي، كاليفورنيا، موروث من الثقافة الإسلامية في الأندلس. ليس الإسلام أجنبياً على "الغرب" بمقدار ما الغرب أجنبي على الإسلام.

وبالتفكير في هذه العلاقات، يمكننا إعادة النظر في الأساطير التي يجري تناقلها في مجتمعاتنا. إذ تشكّل الأساطير جسراً ما بين واقعين: فهي، أكثر من كونها تمثّل الماضي، تتناول احتياجات الزمن الذي تظهر فيه والطرق التي تستمر بها. وقد لا تكون احتياجات ما بعد الحرب مماثلة لاحتياجاتنا، وقد يكون الوقت مناسباً للمؤسسات مثل المتاحف والصحف لتبدأ بنشر أساطير أكثر شمولية. فأنا أجد أنه من الغريب أنّ مجتمعات يُفترضُ أنها علمانية لا تزال تستخدم الدين لتوطين فروقات تلك الأسطورة القبيحة الأخرى التي تُدعى "العرق".

ما الأمل الذي تقدمه مقاربتك لتجاوز هذا الضغط للتوافق؟

 

 
 
شو: لا يوجد تناقض بالضرورة أو طبيعي بين الجماعات الدينية -فالمعارضة سياسية؛ والتواريخ والمعتقدات، سواء من حيث التقاليد الفلسفية أو الإبراهيمية، مشتركة إلى حد كبير.

لدينا السؤال القديم: إن التقى موسى، وعيسى، ومحمد، وبوذا (ويمكننا إضافة العديد غيرهم) بأعجوبة، فهل سيتقاتلون أم يتعانقون؟ أجد صعوبة في تخيلهم يتقاتلون، بيد أنّ أتباعهم المفترضين غالباً ما كانوا فاشلين في التعلّم منهم.

نحن بحاجة إلى الاعتراف بأنّ القصص التي نرويها عن الماضي ليست سرديات بسيطة للحقيقة؛ إنها تُنتِج العالم باعتباره انعكاساً لاهتمامات معينة. حين تتحدثُ عن الضغط للتوافق، نحتاج إلى أن نفكّر في اللحظات التي يقرّرُ فيها كل واحد منا التوافق مع أشياء قد لا نتفق معها، أو التي نجدها غير أخلاقية وغير عادلة. ففي العديد من مجالات الحياة، نسينا كيفية النقاش بشكل بنّاء، بدلاً من الصراخ بمواقف أو البقاء صامتين. لقد فقدنا الثقةَ التي تمكّن المجتمعات وتبنيها، وهو أمر بالغ الأهمية لإطار النقاش ذلك. لذلك أجدُ أنّ السؤال أكبر بكثير من سؤال "الاندماج" أو "الاستيعاب".

السؤال المطروح هنا هو التالي: كيف ننتقلُ من مجتمعات ذات فهمٍ ثابتٍ للتوحّد الذي لا يفعل سوى التسامح مع "الآخرين"، إلى المجتمعات التي تنمو من خلال التفاعل الجماعي مع أنواع متعددة من التنوّع؟ كيف يمكننا إقرار ذلك في تجربتنا المحلية، وفي تفاعلنا مع الثقافات والأشخاص الجديدين؟ أرجو أن يساهم عملي في الأصوات العديدة التي تضع التركيز على التفاعل المتبادل والفضول والعاطفة محلَّ التركيز على المعارضةِ.

 

 

حاورتها: لوسي جيمس

ترجمة: يسرى مرعي

حقوق النشر: موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

 

ويندي شو أستاذة تاريخ الفن في الثقافات الإسلامية بجامعة برلين الحرة. وحصلت على تنويه شرفي من قِبَل جائزة ألبرت حوراني للكتاب لعام 2020 تقديرا لكتابها: "ما هو الفن الإسلامي؟ بين الدين والإدراك"، والذي نشرته مطبعة جامعة كامبردج. وكانت هذه المرة الثانية فقط التي يحصل فيها مؤرخ فن على اعتراف كهذا في حقل دراسات الشرق الأوسط.

 

.............

طالع/ي أيضا

معرض "اليهود والمسيحيون والمسلمون" – إرث أوروبا الإسلامي
أطروحة افتراق أوروبا عن الإسلام الملفقة

.............

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة