كتاب "ممالك الإيمان"
تاريخ جديد للعهد الإسلامي في الأندلس

"ممالك الإيمان - تاريخ جديد للعهد الإسلامي في الأندلس" كتاب يقدم نظرة شاملة على 800 عام من تاريخ الأندلس، وفيه يستعرض مؤلفه الأمريكي براين أ. كاتلوس تاريخ الأندلس بأسلوب سلِس مفككا خرافات حول استعادة الإسبان المسيحيين للأندلس وخزعبلات منسوجة حول أعدائهم. أندرياس كيلْب يستعرض هذا الكتاب.

الأندلس هي جنوب إسبانيا في العهد الإسلامي وتعتبر ساحة معترك تاريخي يُثني عليها البعض كمركز للتسامح الديني والازدهار الثقافي ويُشدِّد البعض الآخر على دورها كمحرِّك لتجارة الرقيق على أيدي الأفارقة المسلمون وعلى تصلُّبها الأيديولوجي في عهد المرابطين والموحِّدين.

ازدادت حدة هذا النقاش منذ أن رفعت العقول الأيديولوجية المدبِّرة في تنظيمي القاعدة وداعش راية إعادة فتح الأندلس، في حين تحوَّل السؤال عن إنْ كانت خلافة قرطبة قد بلغت مستوًى حضاريًا أعلى مما بلغه خصومها المسيحيون إلى مسألة إيمان لدى بعض المؤرِّخين، وهذا كله تمخض عن مبارزة ثقافية بين الغرب والشرق تدور بين أغلفة كتب صارت مرآةً لأحداث العصور الوسطى.

غير أن الباحث الأمريكي أستاذ الدراسات الدينيية براين أ. كاتلوس يريد في المقابل إظهار أنَّ صراع الثقافات الأندلسي كان "أيضًا تاريخًا من التحالفات والصداقات" بين ملوك وخلفاء وبين كونتات نبلاء وأمراء وكذلك بين علماء وفنَّانين وأناس عاديين، مددلًا على ذلك بسرد كلّ سيرة الأندلس الممتدة لنحو ثمانمائة عام بعدسة تاريخية وغالبًا برؤية المشهد الكامل بعين طائر محلق من الأعلى وفي حالات نادرة من منظور الشارع.

وجميعهم يَظهرون في كتابه: الفاتح طارق بن زياد وكذلك آخر أمراء غرناطة أبو عبد الله، والمفكِّرون العظماء ابن رشد وابن وافد وأبو القاسم الزهراوي والقائد العسكري الحاجب المنصور وكذلك "السيِّد" الذي لا يمكن تجنُّبه (بطل إسبانيا القومي رودريغو دياث دي فيفار).

أمَّا ميِّزة هذا الأسلوب السردي الخطِّي المدعوم بالخرائط والرسومات التوضيحية فتكمن في تلاشي المراحل الفردية من حياة الأندلس واحدة تلو الأخرى وكأنها حلقات في سلسلة متدفِّقة: بدءا بالتوسُّع الإسلامي المُبكِّر والأمويين الأوائل والخلافة مرورًا بممالك الطوائف والنهضة المرابطية وإمارة غرناطة ونهايتها ثم إخراج الإسلام من إسبانيا.

  الغلاف الألماني لكتاب: "ممالك الإيمان - تاريخ جديد للعهد الإسلامي في الأندلس" كتاب يقدم نظرة شاملة على 800 عام من تاريخ الأندلس، وفيه يستعرض مؤلفه الأمريكي براين أ. كاتلوس تاريخ الأندلس بأسلوب سلِس. Brain A. Catlos "Al-Andalus: Geschichte des Islamischen Spanien"; C.H. Beck Verlag
"لا يدعم هذا الكتاب الألم الوهمي الموجود عند بعض المثقَّفين المسلمين بسبب غروب شمس الأندلس"، مثلما يكتب أندرياس كيلب: "يُبيِّن براين أ. كاتلوس أنَّ في استعادة المسيحيين الأندلس لم ينتصر الطرف الأفضل، بل الطرف المنظَّم تنظيمًا أفضل والمتفوِّق عسكريًا والمستقر أيديولوجيًا على مجتمع إسلامي أضعفته النزاعات العشائرية والخلافات الدينية".

ولكن الكتاب -من ناحية أخرى- لا يكشف سوى عن القليل حول العمليات والهياكل التاريخية التي تربط هذه المراحل ببعضها.

عشائر كانت تقاتل من أجل مصالحها الخاصة

من الواضح أنَّ نبلاء القوط الغربيين -الذين حكموا شبه الجزيرة الأيبيرية حتى عام 711 ميلادي- قد سارعوا إلى التعاون مع الغزاة، ولكن لماذا لم يستمروا في المقاومة، على عكس الكنيسة الإسبانية؟ وفي المقابل لماذا كان من السهل على المسلمين بعكس غيرهم دمج المسيحيين واليهود في نظام حكمهم؟

من المعروف أنَّ خليفة قرطبة الأوَّل عبد الرحمن "الثالث" الناصر لدين الله كانت جدته أميرةً من منطقة الباسك وأمه امرأة مسيحية مَحْظِية. وبسبب لون بشرته الفاتح وعينيه الزرقاوين فقد كان يصبغ لحيته باللون الأسود حتى تبدو ملامحه أكثر عربية. وبالنسبة لأمثاله، لم يكن التسامح مصلحة وطنية فقط، بل كان مسألة عائلية.

وقد يكمن أحد أسباب هذه الألفة بين السكَّان الأصليين والفاتحين في تشابه هيكل علاقاتهم الاجتماعية.

إذ تم تنظيم القوط (الجرمانيين) والعرب والبربر في روابط أسرية عشائرية. ومن بين هذه الأسر بنو قاسي المنحدرون من نبيل روماني قوطي اعتنق الإسلام واسمه كاسيوس.

شكَّلت منطقة بني قاسي حتى أواخر القرن العاشر الميلادي حاجزًا بين ملوك بامبلونا المسيحيين وأمراء سرقسطة، كما كانت السبب بإحدى الهزائم التي لحقت بجيوش الفرنجة بشكل منتظم في رونسيسفاليس. توجد أسرة أخرى من أصل عربي هي أسرة "بنو السراج"، التي تنافست في القرن الخامس عشر مع أسرة "بنو نصر" الحاكمة (بنو الأحمر) على السلطة في إمارة غرناطة.

لم يكن يرد في تفكير أيّ من الأسرتين القيام بحرب من أجل تحقيق أهداف أسمى بل كانت هذه الأسر تقاتل من أجل مصالحها الخاصة ضمن إطار المناخ السياسي السائد.

تحالفات الزواج لم تكن وسيلة مناسبة للسياسة

أمَّا في المراكز الحضرية في منطقة الوادي الكبير وخاصةً في العاصمة قرطبة فقد كانت الأمور مختلفة نظرا لأن الحاكم فيها منذ عام 756 ميلادي الفرعُ الأخير الباقي من أسرة الخلافة الأموية القديمة في هيكل سلطة مستقر بشكل متزايد وأيضًا متطوِّر حضاريًا من خلال استيراد العلوم الشرقية وثقافة الحياة اليومية.

وفي عام 929 وفي ظلّ تضاؤل سلطة الخلفاء في بغداد أخذ لقبَهم عبدُ الرحمن الناصر لدين الله وأعلن نفسه خليفةً، ولكن هذه الخلافة كانت قد انقسمت في عهد حفيده هشام إلى اثنتي عشرة دولة صغيرة هي ممالك الطوائف.

يكمن أحد أسباب ذلك في عدم نجاح قائد هشام العسكري الناجح وحاجبه المنصور بن أبي عامر في خلع الخليفة الضعيف عن العرش وتأسيس أسرة حاكمة جديدة. وفي القسطنطينية استولى قبل ذلك بفترة قصيرة الأدميرال رومانوس لاكابينوس على السلطة من خلال زواج ابنته من الإمبراطور القاصر وأنقذ الإمبراطورية البيزنطية من هجوم البلغار.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة