كتاب ياسين الحاج صالح: "الثورة المستحيلة"

تعاطف غربي مع الشيطان وعشيرته في سوريا

في كتابه المترجم للإنكليزية "الثورة المستحيلة - فهم المأساة السورية" (الثورة، والحرب الأهلية، والحرب العامة في سوريا)، يصف الكاتب والمعارض السوري ياسين الحاج صالح مسار الثورة السورية وكيف تم تدميرها. ويبين مدى انخفاض معرفة الغرب عن سوريا. عمران فيروز يستعرض الكتاب لموقع قنطرة، منتقداً مَن يسمَّون في الغرب "خبراء في شؤون سوريا" مثل الصحفي البريطاني روبرت فيسك.

ضمن سياق الحرب السورية يتحدَّث ياسين الحاج صالح حول "سَوْرنَة" العالم وإضفاء الطابع السوري عليه. وهذه في الحقيقة إشارةٌ قبل كلِّ شيء إلى مختلف المجالات التي بلغها الصراع في السنين الأخيرة، لأنَّ هناك أشياء كثيرة ترتبط بالثورة في سوريا. كما أنَّ هذا البلد أصبح الآن مسرحًا للقوى العظمى. الجميع يتدخَّلون في سوريا، سواء كانوا من القوى الإقليمية مثل إيران وتركيا والمملكة العربية السعودية، أو من الفاعلين الغربيين مثل أوروبا والولايات المتَّحدة الأمريكية وروسيا.

يُضاف إلى ذلك الكارثة الإنسانية التي حوَّلت الملايين من السوريين إلى أكبر مجموعة من اللاجئين في العالم. ولذلك فإنَّ نتائج الحرب السورية تبدو واضحة أيضًا في العديد من المدن الأوروبية بسبب وجود هؤلاء اللاجئين.

ولكن بصرف النظر عن هذا البعد الجيوسياسي للحرب السورية، هناك قضايا أكثر بكثير، وعلى رأسها مصير أولئك السوريين، الذين احتجوا بأعداد كبيرة ضدَّ نظام الأسد الدكتاتوري وخسروا الكثير نتيجة احتجاجهم.

التعاطف مع الشيطان

يُركِّز ياسين الحاج صالح في تحليله تحديدًا على هؤلاء السوريون - وهم أشخاص وقفوا في وجه نظام استبدادي، في وجه نظام لا بدّ من محاربة عدائه للإنسانية. الثورة السورية ليست أسطورة، بحسب تعبير ياسين الحاج صالح. بل كانت حقيقة واقعية وقد تم سحقها في نهاية المطاف بوحشية، بينما كان الرأي العام العالمي يغض الطرف.

غلاف كتاب ياسين الحاج صالح: الثورة المستحيلة - فهم المأساة السورية" (الثورة، والحرب الأهلية، والحرب العامة في سوريا).
منذ بداية الثورة كان ياسين الحاج صالح في طليعة مقاتليها. ومنذ البداية كان سلاحه من أجل تحقيق الديمقراطية والحرية هو القلمُ. وسوية مع زوجته سميرة خليل، الناشطة في مجال حقوق الإنسان، كان ينتقل من مدينة إلى أخرى، ومن مخبأ إلى مخبأ آخر، وأصبح من خلال ذلك مؤرِّخًا لا غنى عنه في الثورة.

واليوم من المؤكَّد أنَّ أي طرف في سوريا، وحتى تنظيم "الدولة الإسلامية"، لم يقتل عددًا كبيرًا من الأشخاص الأبرياء مثلما فعل نظام الأسد وحلفاؤه. وهذا ما استنتجته جميع منظمات حقوق الإنسان والمراقبين الدوليين في سوريا.

غير أنَّ هذه الأصوات المُحَذِّرة يتم تجاهلها، بحسب رأي ياسين الحاج صالح، وخاصة بسبب الأصوات المتعاطفة في الغرب مع هذا النظام غير الإنساني. فبالنسبة للكثيرين في أوروبا والولايات المتَّحدة الأمريكية يظهر بشار الأسد، الشخص الذي يرتدي ملابسه دائمًا بعناية، وكذلك عشيرته القاتلة الفاسدة، أكثر جاذبيةً واستعدادًا للتفاوض، وحتى يمكن القول إنَّه أكثر جدارة بنيل الثقة من جميع الأطراف المرتدين "عباءة إسلامية". وعدا ذلك ربما لا يمكن تفسير التجاهل المستمر لعمليات القتل الجماعية في كلّ من حلب أو إدلب أو الغوطة.

لقد كان المنتصر وسيبقى هو نظام الأسد، الذي عانى من وحشيته ياسين الحاج صالح شخصيًا عندما كان عضوًا في الحزب الشيوعي وقد تم سجنه في عام 1980 لمدة ستة عشر عامًا كاملة. حيث أمضى سنة من هذه المدة في "حجرات التعذيب" المشهورة بسمعتها السيئة داخل سجن تدمر، الذي اختفى فيه آلاف السوريين ولم يظهروا منذ ذلك الحين مرة أخرى قطّ.

مؤرِّخ الثورة السورية

منذ بداية الثورة كان ياسين الحاج صالح في طليعة مقاتليها. ومنذ البداية كان سلاحه من أجل تحقيق الديمقراطية والحرية هو القلمُ. وسوية مع زوجته سميرة خليل، الناشطة في مجال حقوق الإنسان، كان ينتقل من مدينة إلى أخرى، ومن مخبأ إلى مخبأ آخر، وأصبح من خلال ذلك مؤرِّخًا لا غنى عنه في الثورة والصراعات العسكرية اللاحقة.

كتب ياسين الحاج صالح هذا الكتاب بشكل رئيسي في مسقط رأسه مدينة الرقة، وكذلك في دمشق ودوما وفي منفاه إسطنبول. وحتى في تلك الفترة عانى ياسين الحاج صالح من مأساة شخصية: فقد تم اختطاف زوجته سميرة خليل في مدينة دوما في عام 2013 - وعلى الأرجح من قِبَل الجماعة المتطرِّفة "جيش الإسلام"، ومنذ ذلك الحين لم يعد لها أي أثر.

وسجلات ياسين الحاج صالح التأريخية تعتبر في الوقت نفسه أيضًا بمثابة تفكيك لروايات الحرب التي ينشرها آل الأسد وأتباعه الفاسدون في دمشق. يجد ياسين الحاج صالح الوصف الصحيح لهذه النُخبة السياسية في سوريا، والتي تتكوَّن من مستثمرين في النظام وشخصيات قيادية من أفراد أجهزة الأمن الأسدية: ويعتربهم "سوريين بيضًا" يمثِّلون "العالم الأوَّل" في سوريا. وهذه النخبة لا تزال تعيش حياتها المتميِّزة في فقاعتها الدمشقية من دون عائق، غير مبالية بمعاناة غالبية السكَّان، بل وحتى أنَّها تزيد من هذه المعاناة.

انتقاد حاد من يساري لليسار الغربي

هذا الواقع يبيِّن بوضوح أنَّ الفروق والتفاوتات الاجتماعية والسياسية الضخمة بين المواطنين السوريين مثَّلت أحد الأسباب الرئيسية لظهور الثورة والحرب في البلاد. وبصفته شخصًا يعتبر نفسه مفكِّرًا يساريًا، يوجِّه ياسين الحاج صالح انتقادات حادة إلى الكثيرين من "رفاقه" في الغرب، وذلك بسبب وقوفهم حتى يومنا هذا ومن دون حشمة أو خجل إلى جانب نظام الأسد.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : تعاطف غربي مع الشيطان وعشيرته في سوريا

ما سأكتبه ليس دفاعا عن نظام بشار الاسد، فهو ليس استثناء في العالم العربي والنظام في سوريا لم يكن يوميا نظاما ديمقراطيا .هذه بديهية ولكن ما لا أتفق فيه مع السيد ياسين الحاج صالح هو تغييبه الكامل للدور الخليجي وتحديدا القطري والسعودي في تدمير سوريا وكذا الدور القذر الذي لعبه نظام اردوغان عندما فتح حدوده لكل شذاذ الافاق والمهوسون جنسيا والمخترقة عقولهم لتدمير سوريا والسطو على مقدراتها واغتصاب نسائها ..تدمير سوريا كان قرارا اتخذ من 2006 والحراك الشعبي اختطف منذ اللحظات الأولى وجرى تمويل المسلحين من أجل تدمير سوريا لصالح امن إسرائيل.

تونسي 17.11.2017 | 20:23 Uhr