لذا جاء الأدب المغربي أدباً خاصاً في همومه عربي في لغته، ولا يستثنى من ذلك الأدب المكتوب باللغة الفرنسية الذي مارسه إدريس شرايبي في "الماضي البسيط "، برغم الاعتراضات السياسية المغربية على هذه الرواية، وعبد الكريم غلاب من رواد المقالة في الأدب المغربي بمقارباته النقدية. وقد كان ازدهار الصحافة في المغرب بين صحافة فرنسية وعربية دافعا ومشجعا لازدهار الأدب، وغني عن البيان أن فن المقالة بالذات شديد الارتباط بفن الصحافة.  

لعل محمد شكري صاحب الأعمال التالية :"الخبز الحافي" و"الشطار" و"مجنون الورد" هو أيقونة الأدب المغربي. إن كثيرا من الكتاب العرب مروا بتجارب حياة شكري كعيسى الناعوري في الأردن مثلا وحنا مينة في سوريا، لكن خصوصية شكري هي الواقعية والبساطة والعفوية والصدق مع النفس ومع الحياة والاسترسال في الحكي الصادق والصادم عن الحياة الدنيا والمهمشة "حياة الحضيض" إلى درجة الصدام الأخلاقي والديني في صراحة البوح وصادميته، ومن عاش حياة شكري على ما فيها من سوداوية وعفن ووحل وشظف عيش ثم ما فيها من حلم ومن رغبة في الصراع بكل شرف مع الحياة وبطولة ثم هذا الإصرار على تثقيف الذات والمعرفة فلا بد أنه واجد قصة بطولية مدغمة في سيرورة تاريخية لبلد -من الحماية الفرنسية إلى الاستقلال- عبر شخص بسيط كُتِبَ له أن يكون أيقونة الأدب المغربي.

ولا يختلف محمد زفزاف عن شكري كثيرا في القيمة والعطاء والصدق مع النفس ومع الحياة وفي الحب الإنساني، غير أن زفزاف له جانب هو أقرب إلى الصوفية دون أن يتنكر إلى واقعيته بل كان الواقع في حضيضه هو ما يشغله. أليس الأدب كفاحا من أجل سعادة الإنسان ومساواته أمام أخيه الإنسان وخصوصا في وطن واحد ؟ أليس الأدب رسالة في الحياة من أجل الأفضل دون إكراه إيديولوجي أو دعاية سياسية تضليلية؟ لعل رواية " محاولة عيش" هي من أجمل ما كتب زفزاف، رغم الجدل الذي أثاره الإسلاميون حول قرار وزارة التربية بتدريس هذه الرواية في المرحلة الثانوية واعتراضهم عليها -بحجة منافاتها للآداب العامة- وهي معضلة عربية كبيرة حين يتولى الأصوليون تقرير ما يجوز وما لا يجوز في الإبداع والفكر.

 

 

وزفراف بلغته البسيطة الآسرة ولمحاته السردية العابرة التي لا تهتم بالتفاصيل بقدر ما تعتمد على التكثيف والمعاني الجمة الكامنة وراء العبارات هي صور حافلة بالمعضلة الإنسانية والمصير أمام واقع صعب يزحف أمام برد الواقع ووحله وعفونته، ولئن انتصرت الواقعية على المثالية في هذه الرواية فهي صدقية الأديب أمام نفسه وأمام العالم ولعله انتصار مؤقت فرضه جدل التاريخ الذي ينضح الواقع الخشن من مساماته، ولكن لا بأس فالصراع التاريخي وجدل الأفكار والأشياء يتطلبان الصبر والكفاح والتفاؤل والأمل.

وهل يمكن الاكتفاء بهذه الأسماء دون المرور بمحمد بنيس الشاعر الرقيق المبدع، والناقد الكبير محمد برادة وما أضافاه إلى ساحة النقد العربي، وعبد الفتاح كليطو الذي صار اسما لا معا في ساحة النقد العربي؟

تزدحم في رأسي الأسماء وتتاخم الذكريات الجميلة التي سرعان ما تتحول إلى وردات من كل الألوان ومن كل أريج، فتعطر أرجاء النفس وحنايا الروح بأريجها.

يسعى المغرب اليوم سعيا حثيثا إلى تنمية حقيقية في مجال الزراعة والصناعة والتجارة مع العالم، وهو يحقق نجاحا لا سبيل إلى نكرانه، كما يسعى سعيا حثيثا في مجال حقوق المرأة وحقوق الإنسان عامة معترفا بكل أخطاء الماضي ونقائصه، مما جعله بلدا عربيا رئدا أدبيا وتربويا وفلسفيا حقيقا بكل احترام ومودة واحتفاء.

 

إبراهيم مشارة

حقوق النشر: إبراهيم مشارة / موقع قنطرة 2020

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة