وحتى ذلك الوقت، كان حزب المؤتمر المنبثق عن حركة الاستقلال يُعتبر بالنسبة للكثيرين -على الرغم من كلِّ فضائح الفساد والمكائد- بمثابة الضامن لهذا الوعد، الذي كان مترسِّخًا في الوعي الجماعي بالرغم من كلّ سوء الأحوال الاجتماعية.

وهذا الإجماع تم إلغاؤه من قِبَل حزب المؤتمر نفسه: فبسبب ضغط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اضطرت الهند المثقلة بالديون في أوائل التسعينيات إلى الانفتاح على السوق العالمية وبالتالي المنافسة على أرخص تكاليف الإنتاج وتحرير اقتصادها.

مما يعني أنَّ حزب المؤتمر الحاكم اضطر إلى إلغاء الدعم للزراعة -التي تُعتبر حتى يومنا هذا أهم مصدر دخل للمواطنين- وإلى خفض الرسوم الجمركية والسماح للمستثمرين الأجانب بدخول البلاد.

وفي الوقت نفسه مكَّن هذا التحوُّل الليبرالي الجديد النخبَ الهندية من إثراء نفسها بشكل أكثر وقاحة من ذي قبل. وهكذا باتت الفجوة الاجتماعية تتسِّع أكثر وأكثر. ونجح القوميون الهندوس -من خلال حملتهم على مستوى الهند من أجل هدم مسجد بابري- في صرف الانتباه عن هذا الفشل، وذلك من خلال ترويجهم لهوية جماعية "جديدة".

وفي هذا الصدد يتحدَّث المؤرِّخ البريطاني بيري أندرسون حول "محاولة تعويض دينية جاءت كموجة فيضان" عندما "تلاشت وعود حزب المؤتمر الاجتماعية". يُعتبر القوميون الهندوس إلى حد ما بمثابة الإسمنت، الذي يؤمِّن القوة والثروة لنخب الهند الفاسدة. وهم يُوحون للطبقات الاجتماعية الدنيا افتراض وجود معركة مشتركة، ويحوِّلون بالتالي الاستياء الاجتماعي إلى كراهية الأديان والأقليات الأخرى.

القوميون الهندوس وأسطورة معبد راما

يُشكِّك مؤرِّخون مشهورون في أسطورة معبد راما، مثل الباحث ن.ك. بانيكار، وهو أستاذ فخري للتاريخ الثقافي بجامعة جواهر لال نهرو في نيودلهي. وبحسب أطروحته فإنه لو كان يوجد معبدٌ هندوسيٌّ قائمٌ من قَبْلُ في مكان مسجد بابري لكان لا بدُّ أن يظهر ذلك في المصادر المكتوبة في القرنين السادس عشر والسابع عشر.

ولكن بدلًا من ذلك، فقد أشارت كثير من هذه المصادر إلى موقف الحاكم المغولي المتسامح آنذاك ظاهر الدين محمد بابور تجاه الأديان الأخرى. وهناك أمثلة كثيرة تثبت أنَّ بابور كان يراعي وجود المعابد والأماكن المقدَّسة الهندوسية ويتخلى حتى عن بناء المساجد في مواقعها. ظهور أسطورة معبد راما يُرجِعُهُ المؤرخ ن.ك. بانيكار إلى القرن قبل الأخير [أي إلى القرن التاسع عشر].

 

مناصرون لحزب رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي الحاكم  - حزب "بهاراتيا جاناتا" (حزب الشعب الهندي).   (Foto: Getty Images/AFP/N. Nanu)
إهانة لأكبر أقلية دينية في الهند وهي الأقلية المسلمة: يُشكِّك مؤرِّخون مشهورون في أسطورة معبد راما، ومع ذلك فقد وضع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي حجرَ الأساس لمعبد هندوسي جديد في مدينة أيوديا على أنقاض مسجد بابري، الذي تم هدمه في تسعينيات القرن العشرين. وقضت في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2020 المحكمة العليا في الهند بمنح الموقع المقدَّس للهندوس في قضية استمرت طيلة أعوام ومثل فيها محامٍ للدفاع عن مصالح الإله راما؛ وفي الوقت نفسه، سمحت المحكمة ببناء مسجد جديد "مرموق" في الجوار. وأثار هذا الحكم احتجاجات جديدة في جميع أنحاء الهند.

 

يقول الباحث ن.ك. بانيكار إنَّ "بناء مسجد بابري مكان المعبد هو افتراض جديد نسبيًا، تكمن أصوله في محاولات المستعمرين في القرن التاسع عشر إعادة كتابة تاريخ شبه القارة الهندية. وقد ركَّزوا في ذلك على العداء المتبادل بين الطوائف والمجموعات الدينية".

وبهذا المعنى فإنَّ القوميين الهندوس يُنَفِّذون استراتيجية "فَرِّقْ تَسُدْ" الاستعمارية، لكنهم ليسوا ورثة إرث حركة الاستقلال المناهض للاستعمار، مثلما يدَّعون ذلك بكلِّ سرور.

حتى وإن كان حزب بهاراتيا جاناتا قد استطاع بأجندته الأصولية إحراز الأغلبية المطلقة في مجلس النواب الهندي مرتين متتاليتين -ما لم يحقٍّقه أي حزب خلال أكثر من ثلاثين عامًا- فإنَّه مع ذلك بعيدٌ عن أن يستطيع الاعتماد على دعم جميع الهندوسيين، الذين لا يزال الكثيرون منهم ينظرون بعين الشك ّوالارتياب إلى حزب بهاراتيا جاناتا.

لقد عاشت مختلفُ الأديان معًا في شبه القارة الهندية عبر قرون من الزمن. وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ موقف الهندوسية المتسامح بشكل أساسي تجاه الأديان الأخرى لا يزال مثل ذي قبل الطابعَ المؤثِّرَ على غالبية الهندوسيين.

وهذا ما تؤكِّده أيضًا نتائج الانتخابات: فقد ساهم قانون الفائز الأوَّل بالأغلبية مساهمة كبيرة في فوز حزب بهاراتيا جاناتا، لأنَّ معظم الهنود المُصَنَّفين على أنَّهم من أتباع الديانة الهندوسية والبالغ عددهم ثمانين في المائة من مجمل عدد السكَّان لا يؤيِّدون حزب بهاراتيا جاناتا: فمن بين ستمائة وأربعة ملايين مُقترع، صوَّت الثلث فقط للقوميين الهندوس. ولكن نظرًا إلى انقسام المعارضة وضعفها، فقد كان ذلك كافيًا لتحقيق الأغلبية المطلقة.

 

 

دومينيك مولَر

ترجمة: رائد الباش / ع.م

حقوق النشر: موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

 

 

كاتب هذا التحليل لموقع قنطرة الخبير الألماني دومينيك مولَر وهو مؤلف كتاب "الهند - أكبر ديمقراطية في العالم؟ قوة السوق والقومية الهندوسية والمقاومة"، الصادر عن دار نشر (أسوتسياتسيون، برلين / هامبورغ) في ألمانيا، سنة 2014.

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة