"كلّما لمَستْ شيئاً حوّلتْهُ إلى فن"

شاي مع البعبع: نحو قراءة عربية لأعمال الفنانة منى حاطوم

تتميز الكثير من أعمال الفنانة الفلسطينية البريطانية منى حاطوم بذلك التوتر الدائم بين مكون عقلاني يحمل دمغة المؤسسة، كالخريطة والنافذة المسدودة، ومكوّن حسي قد يستدرج المُشاهد العربي برموز ذات ثقل عاطفي في سياقه، أقوى من أن ينجح بتفسيرها بشكل عقلاني، كالكوفية والتطريز والصابون النابلسي.

تنتمي الفنانة المعاصرة منى حاطوم إلى مجموعة نجوم يحرّك حضورهم في العواصم الغربية كثيرًا من الأقلام النقدية، بينما لا تكاد تولد معارضها في عمّان أو الدوحة أكثر من بضعة أسطر إخبارية في قسم المنوعات.

نشأت منى حاطوم في بيروت في عائلة حيفاوية لجأت مع النكبة، ووجدت ذاتها عالقة في لندن بعمر الثلاثة وعشرين عامًا عند تفجر الحرب الأهلية اللبنانية، لتراكم منفىً على آخر، ولتنتج باكورة أعمالها في بريطانيا الثاتشرية، متأثرةً بتكاثر الحروب والحدود التي حالت بينها وبين حياتها الأولى.

يواجه بعض النقاد الغربيون صعوبة في هضم تلك الخلفية، خصوصًا منذ أن وصلت شهرة حاطوم إلى حد إقامة معارض منفردة في محافل مثل مركز بومبيدو في باريس وتايت مودرن في لندن، وفي مدن مثل برشلونة وهيلسينكي وبوسطن.

في مقدمة كاتالوج معرضها الأخير في بومبيدو[1] نقرأ مثلًا: «منى حاطوم لا تنتج أعمالها كفلسطينية منفية في لندن (…) فهي فنانة من الحاضر، في توافق مع حداثتنا». كأن الفلسطينيين المنفيين ليسوا من الحاضر ولا من «حداثتنا» (الـ«نا» عائدة طبعًا على الغرب)، بل ترسبات أجنبية وبدائية قد تعكّر صفو عالمية حاطوم إذا ما تدخلت أكثر من اللازم في قراءتنا لأعمالها، وهو تمامًا ما سيقوم به هذا المقال، أولًا من باب الاستفزاز، وثانيًا من باب مجابهة الخطاب الذي يهدد بكتابة أعمال حاطوم كمنتج غربي بحت مع رشة بهارات.

لن يغير ذلك من قائمة الإنجازات التي سيذكر بها الفن الغربي حاطوم: النجاح بالخروج من «اختزالية»[2]  السبعينيات إلى «ما بعد-الاختزالية» أو المزج بين الالتزام السياسي ومكتسبات الفن التجريدي للقرن العشرين، وما إلى ذلك من المسائل التي لن تعني الكثير للمشاهد العربي، كونه سينبهر مباشرة وبلا مقدمات بسحر أعمالها الذي لا يقاوم، وبقدرتها على مخاطبته بلغة يفهمها جيدًا.

 

عمل « T42»، منى حاطوم، 1999.
أبعاد فنية وإنسانية تطبع منجزات منى حطوم: ماذا لو ألصقنا فنجاني شاي ببعضهما مثلًا؟ يكفي النظر إلى عملها T42 من عام 1999 ليصبح من الواضح أنهما كانا ملتصقين منذ البداية. فناجين حاطوم هي أغراض مستفزّة وفي ذات الوقت حساسة جدًا وقابلة للكسر.

 

أعمال فنية تتجاوز حدود الهوية والثقاقة

بالمقابل، تحمل محاولة إعادة توطين فن حاطوم أخطارها. فمقياس أعمالها وغناها يتجاوزان أي محاولة لحصرها في سياق مناطقي أو هوياتي، كما أن أعمالها تستمد سحرها من غربتها، ومن حضور خاص لما يعنيه الوطن، حضور مموه وحالم قد تهدد محاولة الإصرار على تحديده وتعريفه بسحقه.

في عملها «كوفية»، خاطت حاطوم قصائص من شَعرها لتخرج من أطراف كوفية فلسطينية في لفاليف عشوائية، كأعشاب ضارّة. النتيجة مقلقة، والكثير يمكن أن يقال عنها: ربما هي طريقة للحديث عن أنوثة خطرة تولد من صميم رمز وطني، أليست الكوفية في النهاية غرضًا ذكوريًا لطالما قامت النساء بحياكته للرجال على حساب وقتهن وأجسادهن؟ أليست كذلك رمزًا لمقاومة يمكن القول إن الرجال احتكروا كتابة تاريخها، بينما يمكن بالاقتراب منه رؤية أنوثة جرى بترها لحياكته؟ وماذا عن شعر المرأة؟ هل يظل عورة إذا ما قصته وصنعت منه الغطاء ذاته الذي قد يستخدم لتغطيته؟

لكن كوفية حاطوم لا تطرح في الحقيقة أيًا من تلك الأسئلة، فهي في النهاية غرض صامت كل ما يفعله هو أنه موجود، أنه مستفز، أما الأسئلة فتولد من محاولتنا لتبرير اضطرابنا المفاجئ ولتفسير الغرض لعله يصبح أقل خطورة. قوة أعمال حاطوم تكمن في مقاومتها لمحاولات تفسيرها، وإصرارها على نقل معناها بطريقة غرائزية ومحسوسة، ومع ذلك واضحة كالشمس.

 

تشرح حاطوم التناقضات في عملها التشكيلي: «جرت العادة أن يرتدي الرجال مثل هذه المناديل رمزًا للكفاح. ومن خلال الشعر النسائي يحصل وشاح الرجال على أنوثة فريدة. لكن في البلاد التي تعتنق الدين الإسلامي تغطي نساء كثيرات شعرهن بمنديل، وفي «كوفيتي» كسر الشعر الحواجز وتجاوز الحدود! عندما عملت الـ«كوفية» لم أفكر بالرئيس الراحل عرفات، لكنه على نحو أو آخر حاضر في العمل طبعاً. أحب أن أتفنن بالمقتنيات، وأرغب في أن أجعل نتاجي يستوطن في حقول كثيرة»
تشرح حاطوم التناقضات في عملها التشكيلي: «جرت العادة أن يرتدي الرجال مثل هذه المناديل رمزًا للكفاح. ومن خلال الشعر النسائي يحصل وشاح الرجال على أنوثة فريدة. لكن في البلاد التي تعتنق الدين الإسلامي تغطي نساء كثيرات شعرهن بمنديل، وفي «كوفيتي» كسر الشعر الحواجز وتجاوز الحدود! عندما عملت الـ«كوفية» لم أفكر بالرئيس الراحل عرفات، لكنه على نحو أو آخر حاضر في العمل طبعاً. أحب أن أتفنن بالمقتنيات، وأرغب في أن أجعل نتاجي يستوطن في حقول كثيرة»

 

باستخدام أغراض توضيحية، تعيد حاطوم تعليمنا كيفية النظر إلى الأشياء، كمحو أمية بصري. لا غرض بريء، ولا غرض يسلم من علاقات القوى أو من عنف أخرس يختبئ في ثناياه، لا يحتاج إلا إلى قلبة بسيطة، إلى من ينكزه، حتى يكشر عن أنيابه، ولا أحد أبرع من حاطوم في إيقاظ ذلك البعبع الكامن في الأشياء ومن ثم تركه بلا أي وعظ أو تحذير لإخافتنا مثل أطفال، كي يستخلص كل منا الدرس الذي يستحقه.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة