"قوة أعمال حاطوم تكمن في مقاومتها لمحاولات تفسيرها، وإصرارها على نقل معناها بطريقة غرائزية ومحسوسة، ومع ذلك واضحة كالشمس"

ماذا لو ألصقنا فنجاني شاي ببعضهما مثلًا؟ يكفي النظر إلى عملها T42 من عام 1999 ليصبح من الواضح أنهما كانا ملتصقين منذ البداية. فناجين حاطوم هي أغراض مستفزّة وفي ذات الوقت حساسة جدًا وقابلة للكسر، فيها شيء من الابتزاز العاطفي الخاص بجلسات الشاي العائلية، بالمحادثات الشائكة التي لا ترضي إلا طرفًا واحدًا. هنا لم يعد من الممكن للشخصين أن يشربا معًا، أحدهما سيأخذ كل شيء، إلّا إذا قرر الآخر الرد على عنف الغرض بعنف جديد وكسر الفنجان ليكسب حريته، على حساب خسارة الآخر وجرحه، أو ربما تدميره بالكامل، أو تدمير الفنجانين معًا. وبمناسبة الحديث عن الدمار، تزداد كابوسية العمل عندما نعرف أن عنوانه «تي فور تو»، الذي يُلمح إلى كلمة شاي الإنكليزية، وإلى الأغنية الشهيرة شاي لشخصين، هو أيضًا اسم دبابة.

في إحدى مقالاته[3] عن حاطوم، يرى إدوارد سعيد في الأغراض المنزلية هذه تعلقًا بوطن لا تمكن العودة إليه لإنه لم يعد موجودًا كما عرفناه، ونوعًا من العنف الذي يمارسه المنفى على ذاكرتنا، مُحمّلًا الأغراض اليومية هلوسات وندبات مستخدمها، والذي يعيد خلقها على صورته لتصبح مسوخًا عالقة بين أماكن مختلفة: «تصرّ الذاكرة على أننا كنا نعرف تلك الأغراض، ولسبب ما، لم نعد نعرفها، وتستمر مع ذلك بالتعلق بها (…) تتحول البيتوتية إلى سلسلة من الأغراض العدائية وغير المرحِبة، وظيفتها التي لم تعد منزلية، تنتظر تعريفًا. هي أشياء لا يمكن إنقاذها، لا يمكن إرسال تشويهاتها ليجري تصحيحها أو إصلاحها، فالعنوان القديم (ولو أنه لا يزال موجود) لا يمكن الوصول إليه».

 

 منى حاطوم مع إنعاش، "إثنا عشرة نافذة ، 2012-2013، 12 قطعة من التطريز الفلسطيني على قماش، ملاققط خشبية، وأسلاك معدنية. ©منى حاطوم 2014، الصورة : ©يورغ لوسيه
من "اثنتا عشرة نافذة" لـلفنانة منى حاطوم: عمل تركيبي يتألف من 12 قطعة مطرزة تم انتاجه بالتعاون مع جميعة إنعاش المخيم والتي تم انشائها عام 1969 من اجل توفير فرص عمل للنساء الفلسطينيات في مخيمات لبنان. وتمثل كل قطعة منطقة فلسطينية مختلفة وتروي في مجملها حكاية التطريز الفلسطيني. وقد ساهمت المصممة ملك حسيني عبد الرحيم في البحث المتعلق بهذه القطع وبتصميمها. ويعمل المتحف الفلسطيني جنبا الى جنب جميعة إنعاش لتنظيم معرضا جديدا عن التطريز الفلسطيني في بيروت في العام 2016. . ©منى حاطوم 2014، الصورة : ©يورغ لوسيه

 

في عمل من نوع آخر، تعاونت حاطوم مع لاجئات فلسطينيات في لبنان لإنتاج أقمشة مطرزة قامت بنشرها مثل الغسيل في غرفة العرض، وهو عمل قد يبدو عاديًا في البداية، حتى يقوم عنوانه، اثنتا عشرة نافذة بتفعيل السحر الكامن فيه: فجأة تتحوّل كل قماشة إلى نافذة على مدينة فلسطينية ما.

يعيدنا ذلك إلى عصر النهضة، حين وصف الفنان والمنظّر الإيطالي ليون باتيستا ألبيرتي اللوحة الجيدة بأنها «نافذة» نشاهد من خلالها قصة ما، وهو المبدأ الذي قام عليه الفن الغربي حتى القرن العشرين. أما عمل حاطوم فيأتي كرد ساخر على ألبيرتي، فهو عبارة عن اثنتي عشرة نافذة مستحيلة، لا تُطلّ إلا على وطن تجريدي من الألوان، الأفق فيه مسدود، تدل فيه كل تطريزة على فكرة بلدة أو مدينة فلسطينية دون أن ترينا إياها، ربما لأنها لم تعد موجودة أو لأن مواجهتها تفوق تحملنا، فنغطي على ركامها برموز تراثية تعطينا نوعًا من الدفء والألفة بينما تخنقنا سرًا، فكل نوافذ حاطوم لا يمكن أن تُدخل نَفَسَ أوكسيجين واحد، وغرفة العرض مسدودة لا متنفس فيها.

مجددًا، لا يمكن تجاهل البعد النسوي لتلك النوافذ. ففنون التطريز اعتبرت تاريخيًا حرفًا ثانوية لا ترقى إلى مكانة النحت والرسم والعمارة، التي حرمت النساء من ممارستها أساسًا، وبالتالي يأتي عمل حاطوم كاستمرار لأفكار نسوية بدأتها الكاتبة الأميركية أليس ووكر[4] عندما نادت بإعادة النظر في قيمة تلك الأعمال «الثانوية» كشاهد وحيد على موهبة اضطرت للتعبير عن ذاتها بأدوات محدودة.

 

المزيد من مقالات موقع قنطرة

في ذكرى إدوارد سعيد....المنفيّ بين الثقافات

الموسيقى في مواجهة السياسة...دانيل بارينبويم مثالاً!

ذاكرة الحرب: الفن في مواجهة العنف

 

وفي السياق العربي، حيث لم تمتلك النساء، قبل القرن العشرين، أي دور يذكر، تقريبًا، في كتابة التاريخ أو في الممارسة الفنية، يقدم التطريز طريقة بديلة لكتابة الوطن، ليس عبر تسلسل من الأحداث السياسية التي صنعها الرجال، بل عبر علاقة حسية مع الألوان والزخارف التي تربط الأرض بالعائلات وبالممارسات التي حملتها معها نحو المنفى. إضافة إلى ذلك، فإن تعليق الأقمشة بملاقط غسيل يسهّل تخيل أم أو زوجة تنشرها على السطح في مخيم ما، نافذتها الوحيدة نحو وطنها هو «أمان» عملها المنزلي. أما الغسيل فهو «معلق» حرفيًا، في حالة انتظار لن تنتهي.

إلى جانب الأغراض اليومية، تمتاز أعمال حاطوم بهوس عربي آخر هو الخرائط. سواء أكان ذلك في عملها الشهير بقعة ساخنة، أو في المدن ثلاثية الأبعاد، تتعامل حاطوم مع الخرائط بطريقة تذكر بأستاذ الجغرافية في مسرحية سعد الله ونوس «حفلة سمر من أجل 5 حزيران»، والذي يخبئ الأجزاء الممزقة من خريطة الوطن العربي في درج مكتبه على أمل منحها حياة أخرى أو محاولة لفهم كيف ولماذا سقطت عن الخريطة.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة