لماذا يتدنى الشعور العام بالخطر إلى هذه الدرجة المخيفة في مصر؟ وبالطبع مع ما نعيشه من وباء لفيروس كوفيد 19، أعيش هذا السؤال كل لحظة مع ازدحام الأسواق كما لو أن المصريين يرفعون شعار "التلاحم الاجتماعي" كبديل عن "التباعد الاجتماعي
كورونا ومفهوم الشعور الخطر في مصر

لماذا يتدنى الشعور العام بالخطر إلى هذه الدرجة المخيفة في مصر؟

خالد الخميسي يكتب: شغلني كثيرا وعلى مدى زمني طويل هذا السؤال، لماذا يتدنى الشعور العام بالخطر إلى هذه الدرجة المخيفة في مصر؟ وبالطبع مع ما نعيشه من وباء لفيروس كوفيد 19، أعيش هذا السؤال كل لحظة مع ازدحام الأسواق كما لو أن المصريين يرفعون شعار "التلاحم الاجتماعي" كبديل عن "التباعد الاجتماعي".

الزمان: الواحدة بعد الظهر. المكان: أمام بوابة أحد بنوك القاهرة. الشخصيات الثلاث: امرأة في الستين من العمر. موظف أمن في البنك في الثلاثين من عمره. رجل في الأربعين من عمره. يدور الحوار التالي:

حارس الأمن للسيدة: لا أستطيع أن أسمح لك بالدخول للبنك دون قناع.

المرأة (في توسل): لن أتأخر يا بني في البنك. سوف أصرف مبلغا من المال بسرعة وسوف أرحل من فوري.

الحارس: آسف يا سيدتي. الأوامر واضحة. ممنوع دخول البنك دون قناع. لن ترضي الأذى لي، أليس كذلك؟

يخرج رجل من البنك على وجهه قناع. يفهم ما يدور من حوار. يخلع القناع من على وجهه. الرجل (موجها حديثه للسيدة): تفضلي هذا القناع.

السيدة (على وجهها ابتسامة كبيرة) لقد أنقذتني. كم ثمن القناع؟

الرجل: لا. لم أدفع فيه شيئا. لقد اخذته من رجل كان خارجا من البنك. السيدة: أشكرك. تضع المرأة القناع وتدخل البنك.

هذا مشهد يؤكد ما نعرفه عن يقين. وهو أن مفهوم إدراك الخطر عند المصريين يختلف عن العديد من شعوب الدول المتقدمة، وقد يشترك مع العديد من الدول الفقيرة.

 

شعور عام طاغي بعدم الأمان المطلق

 

من الطبيعي أن ترى يومياً في شوارع القاهرة عائلة كاملة على موتوسيكل. رجل وزوجته وثلاث أو أربعة أطفال. وبالطبع لا أحد منهم يرتدي الخوذة الاجبارية لمن يسير على موتوسيكل. أو مسافرون يركبون فوق القطار. أو أيضا ركاب تخرج أجسادهم من الباب الخلفي لأتوبيس نقل عام وهو يسير على سرعات عالية. والأمثلة لا حصر لها.

 

عائلة مصرية وسط مدينة القاهرة الصورة:  د ب أ وبيكتشر أليانس
غياب الشعور بالأمان الحقيقي: "من الطبيعي أن ترى يومياً في شوارع القاهرة عائلة كاملة على موتوسيكل. رجل وزوجته وثلاث أو أربعة أطفال. وبالطبع لا أحد منهم يرتدي الخوذة الاجبارية لمن يسير على موتوسيكل. أو مسافرون يركبون فوق القطار. أو أيضا ركاب تخرج أجسادهم من الباب الخلفي لأتوبيس نقل عام وهو يسير على سرعات عالية. والأمثلة لا حصر لها."

 

أتذكر قصة عشتها في مدينة "Oaxaca" في المكسيك. وملخصها أنني اتفقت مع شركة سياحة على جولة وسط آثار المنطقة مع آخرين. كانت سيارة ميكروباس قديمة التي سوف تقلنا جميعا. وكنا حوالي عشر سائحين أتذكر زوج وزوجة من البرازيل ومن كولومبيا.

سأل أحد السياح السائق: أين حزام الأمان؟ فرد السائق أنه لا يوجد حزام أمان. ولكي يُطمئن الرجل أكَّد السائق أننا سوف نسير على مهل. رفض السائح أن تتحرك السيارة، وقرر ألا يشترك في الرحلة. كان هذا الرجل من كندا. لكن السائق تذكر أن الحزام الوحيد الموجود في السيارة هو حزام المقعد بجواره. ترك الرجل زوجته وانتقل إلى المقعد الأمامي ووضع الحزام وتأكد من فعاليته. وهز رأسه علامة الموافقة على الاشتراك في الرحلة. كان هو الوحيد مع زوجته من جنسية الدول التي نطلق عليها "العالم الأول". بالتأكيد استهزأنا جميعنا من موقفه هذا. وتعجبت أنه ترك زوجته بدلا من أن يطلب منها أن تنعم بحزام الأمان. كما لو أن يعلن أن "الفردية المطلقة" و"الشعور بالخطر" هما قوام حضارته.

 

............................

طالع أيضا:

فرق بين تعامل مصر وتونس مع فيروس كورونا

مصر: دعوات للتضامن الإنساني ورفع الوصمة عن ضحايا كورونا

...........................

 

شغلني كثيرا وعلى مدى زمني طويل هذا السؤال: لماذا يتدنى الشعور العام بالخطر إلى هذه الدرجة المخيفة في مصر؟ وبالطبع مع ما نعيشه من وباء لفيروس كوفيد 19، أعيش هذا السؤال كل لحظة مع ازدحام الأسواق كما لو أن المصريين يرفعون شعار "التلاحم الاجتماعي" كبديل عن "التباعد الاجتماعي".

وأرى أن هناك أربع عوامل يمكنها أن تجيب على هذا السؤال:

أولا: العالم الغيبي والعالم الظاهر متداخلان:

يستيقظ أغلبية المصريين من نومهم ولسان حالهم يقول: "اللهم أني أنام بأمرك، وأصحو بأمرك، وأنك مالك كل شيء". يحصل هؤلاء على الطمأنينة والراحة من مفردات التراث الشعبي، والتراث الديني.

وعلى الرغم من الاختلاف بين كلا التراثين، إلا أنهما يتداخلان بسلاسة في ذهن الناس. وبالتالي فإدراك المصري بالموت والحياة والخطر يأتي من هذا النهر المتدفق من الأمثال الشعبية والآيات الدينية. فكل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ. بمعنى أننا من قبل أن نولد يعرف الله في أي لحظة سوف نموت.

وبالتالي لا يمكن أن يموت إنسان ناقص عمر. نعم لابد أن نحرص على حياتنا ولكن بعد هذا الحرص فالباقي على الله. ولابد من الاعتماد على الله لكي يرضى هنا. هذا الرضا الإلهي أساسي في حياة المصري. فهناك قوى غيبية تتحكم بالعالم الظاهر. ولابد أن نتعامل مع هذه القوى ونروضها في صالحنا.

ثانيا: يذوب حق الفرد داخل الجماعة:  

من يساند الإنسان المصري هي الجماعة المحيطة به (العائلة – الأصدقاء – زملاء العمل – الجيران) وليست الحكومة القائمة بقوانينها. يعلم أنه لو مرض أو توفي، فالجماعة التي تحيطه هي التي سوف تقف مع عائلته. وليس النظام العام. شعور الإنسان بالأمان في هذه الحالة يأتي من التواجد مع الناس، وليس بالالتزام بالقوانين. فأصل الأشياء أن الانسان يعيش وسط جماعة من البشر. فكيف يمكن أن نطالبه بالتباعد الاجتماعي. الفردية ليست متجذرة في المجتمع المصري.

ثالثا: التكلفة الاجتماعية والاقتصادية للأمان الشخصي عالية جدا.

كيف يتشبث الانسان بالحياة مع الندرة؟ فأمام القحط الاقتصادي ليس أمام الناس سوى السعي لإيجاد حلول أولية للحياة. فهذه العائلات التي تنتقل على موتوسيكل، والذي قد يصل العدد لستة أشخاص، (أعلم أن القارئ لن يصدق العدد، ولكنها الحقيقة) هل لا يعلم الأب أو الأم أن هناك درجة من درجات الخطورة؟ نعم يعلمون. ولكن ما البديل؟ وسائل المواصلات الأخرى؟ إما غير متاحة أو مكلفة.  

رابعا وأخيرا: لا يوجد الحد الأدنى من الشعور بالكرامة الإنسانية والأمان الحقيقي.

هناك تراكم لفترات طويلة لم يشعر فيها الإنسان المصري بالكرامة أو بالأمان. الأمر الذي يؤدي إلى شعور جمعي بالاكتئاب العام. فعندما يكون على الإنسان أن يعمل أكثر من عمل واحد لكي يعيش، وعلى الرغم من ذلك لا يحصل على ما يكفيه.

عندما لا يثق الإنسان في نظام قضائي عادل. عندما يعرف الفلاح في قريته أنه يشرب مياه ملوثة بالمجاري. عندما أعرف أنني في دولة بها أعلى معدلات الإصابة بالتهاب الكبد الوبائي. والأمثلة كثيرة، فيتولد شعور عام بعدم تقدير نوعية الحياة التي نعيشها. شعور عام بحالة صدمة نفسية اجتماعية. هنا المسألة لا علاقة لها بالوعي أو نوعية التعليم أو المستوى الاقتصادي. فهذا موضوع عابر للشرائج الاجتماعية المختلفة.

رأيت منذ أيام أم تقود سيارة فارهة وهي تضع طفلتها على ساقها. هي امرأة بالمقاييس المصرية ميسورة الحال. وبالتأكيد لا تريد أن تعرض حياة طفلها للخطر. ولكن على الرغم من ذلك هذا ما قامت به. لماذا؟ هو شعور عام طاغي بعدم الأمان المطلق. وبالتالي ما فعلته لا شيء بجوار الشعور الأعم بالخطر.

حاولت أن أفكر معك أيها القارئ في هذا السؤال الذي يحيرني، وربما تأخذني الحماسة في أحد الأيام وأكتب كتابا عن هذا الأمر.

 

خالد الخميسي

حقوق النشر: زود دويتشه تستايتنوغ 2020

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة