كوفيد-19 - أينشتاين: المحبة × مربع سرعة الضوء = طاقة شفاء العالم

الإنسانية أو الفناء - وما كورونا سوى "بروفة"!

بعدما أصاب الفيروس من أصاب من جميع أجناس البشر على مختلف أعراقهم وألوان جلودهم، وبات الجميع يخشى من الجميع، تلاشى وصم الصينيين به. فقد تثبت اسمه الطبي باسم (كوفيد-19) واسمه الإعلامي (كورونا)، إذ صار جائحة كونية: وحش خفيّ يفتك بالأجساد ويبلبل النفوس والأذهان والأفكار والمعتقدات الماورائية. فرج العشة يتساءل في تعليقة التالي لموقع قنطرة: هل يمكن التعويل على استمرارية روح التضامن البشري بعد كورونا؟

عندما ظهر فيروس كورونا في الصين، نُظر إليه، خارج الصين، بحسبانه فيروساً صينياً داخل السور العظيم. ومع تصاعد تفشي الفيروس في العالم، قامت أمريكا ودول أوروبية باتهام الحكومة الصينية بعدم التعامل بشفافية من جهة الكشف عن البيانات ومشاركتها مع العلماء حول العالم.

ولا شك أن الصين، بغض النظر عن مصداقية الاتهام من عدمه، تُدار بنظام حكم توتاليتاري، بمنطق الأخ الأكبر في عصر الذكاء الاصطناعي، وهو نظام معادٍ بطبيعته لشفافية المعلومات والبيانات المفتوحة.

"لستُ فيروساً"

والحال أنه قد حدث ما حدث، ونجم عن سرعة انتشار "الفيروس الصيني" في بقاع العالم ذعرٌ جماعي ولّد عنصرية بغيضة تجاه الصينيين. وإلى الصينيين طاولت العنصرية عموم الآسيويين ذوي "اللون الصفر". فبات كل الصُفر صينيين، سواء كانوا مقيمين عابرين لفترات مؤقتة أو متجنسين منذ أجيال كما في أوروبا وأمريكا. وكأن جميع أعراق الألوان الأخرى اتحدوا في كراهية "الصُفْر". يرمونهم بنظرات النبذ والمقت ويتجنبون مخالطتهم أو الاقتراب منهم في الأماكن العامة أو الجلوس جنبهم في وسائل الموصلات.

وسجلت الأخبار والتقارير الإعلامية قصصا كثيرة عن تعرضهم للمضايقة والشتم والسب، وتعرض أطفالهم للتمييز والتنمر في المدرسة. وراجت في منصات التواصل الاجتماعي، وحتى في وسائل إعلام محترفة، معلومات مغلوطة أو مبالغ فيها حول المطبخ الصيني ووصف جميع الصينيين باشمئزاز على أنهم أكلة خفافيش وثعابين وكلاب وفئران، بينما أقلية منهم هم من يأكل هذه الأنواع من الحيوانات، لدرجة أن الفرنسيين المتحدرين من أصول صينية اضطروا إلى إطلاق وسم هاشتاغ: "أنا لست فيروسا".  

ثم وبعدما أصاب الفيروس من أصاب من جميع أجناس البشر على مختلف أعراقهم وألوان جلودهم، وبات الجميع يخشى من الجميع، تلاشى وصم الصينيين به. فقد تثبت اسمه الطبي باسم (كوفيد-19) واسمه الإعلامي (كورونا)، إذ صار جائحة كونية وحش خفيّ يفتك بالأجساد ويبلبل النفوس والأذهان والأفكار والمعتقدات الماورائية.

 

 

"هرطقات"

ولم ينفع في شيء تعويل أتباع الخرافات على الدعاء والتعاويذ والتوصية بشرب بول البعير (هرطقة إسلامية) أو بول البقر (هرطقة هندوسية) على سبيل المثال فقط. وخضعت دور العبادة لجميع الأديان والمعتقدات لغلق أبوابها. فلا مصلّين في الحرم المكي، ولا عابدين طائفين حول الكعبة. لا مؤمنين في ساحة كنسية الرسول بطرس. وحده البابا بمعية بعض كرادلته يؤدون صلوات عيد الفصح. ولا باكيين على حائط المبكى.

أما اليهود الحريديم المتزمتون، الذين خالفوا التعليمات الصحية على أمل أن يأتي المسيح المنتظر قبيل عيد الفصح لينقذهم من عدوى كورونا، بحسب ما يعتقدون، فقد وصلت نسبة المصابين منهم إلى أكثر من 50% من نسبة المصابين في إسرائيل، قبل أن يرتعبوا فيلتزمون بتعليمات الدولة.

وفي شوارع الهند المحجورة تجوب أبقار الهندوس المقدسة تصاحبها القرود والكلاب السائبة. لقد صار العلم وحده المنقذ المرتجى. وباتت منظمة الصحية العالمية المرجع الأممي في تنمية الوعي الصحي والحفاظ على سلامة العالم وخدمة القطاعات الأكثر ضعفاً، بغض النظر عن اتهامات ترامب لها وقطع التمويل الأمريكي عنها، في وقتٍ يواجه العالم فيه الوحش الخفي الذي يُمزّق الروابط الاجتماعية، ويجبر الأفراد (نحو أربعة مليار ونصف) على عزل أنفسهم قسراً أو طوعاً.

عاصفة فيروسية

تنغلق الدول داخل حدودها عن الدول الأخرى، والمدن عن غيرها من مدن البلد الواحد. تُخلى الشوارع والساحات والملاعب والحدائق والمقاهي والملاهي والخمارات والبارات والمسارح ودور السينما والمعابد. وهو ماضٍ في هجماته غير المرئية بأجناده المتوالدة بأعداد لا تحصى كشهيق وزفير البشرية.

 

 

لقد شلّ رعب الوحش الخفيّ الاقتصاد الكوني فانهار منحنى مبادلاته التجارية والمالية مع ارتفاع منحنى جائحته صعودا بزيادة أعداد الإصابات والوفيات. تراجعت التجارة العالمية بنسبة الثلث. أكثر من ثلاثة مليار شخص اُغلقت أماكن عملهم، بشكل كامل أو جزئي، وفقد مئات الملايين من العمال حول العالم مصادر دخلهم، لا سيما عمال المياومة الذين يتقاضون أجورهم يوماً بيوم، وهم غير محميين بإعانات البطالة أو الضمان الصحي.

والمفارقة كما تبرز دراسة استطلاعية لمؤسسة إيبسوس الأمريكية أن من لديهم موارد أكثر، ويعتبرون الأقل عرضة للإصابة بالفيروس، هم من يشتكون من تضرر صحتهم العاطفية.

إنه قلق ناعم لا معنى له أمام الشعور بالخوف واليأس من المستقبل الذي يعصف بنفوس الطبقات الوسطى وما أدناها، الذين لا يعنيهم في شيء مشاهدة  مشاهير الفن والرياضة حول العالم وهم يبثون فيديوهات عن كيف يقضون أوقات عزلتهم في منازلهم الفاخرة، ويسدون النصيحة الرائجة لمشاهديهم على انستغرام: خليك في البيت وأغسل يديك. بينما أكثر من مليار فقير يفتقرون إلى المياه النظيفة، والصابون أيضاً. ومليارات آخرون لا أمل لهم في الحصول على سرير وجهاز تنفس اصطناعي.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة