البعض أكثر مساواة من الآخرين

على المستوى المجتمعي والاقتصادي، كشفت الجائحة عن حالة كبيرة من عدم المساواة في مجتمعات الشرق الأوسط. فبدون تضامن عائلي ومجتمعي، كان الملايين سيعانون من نقص المواد الغذائية والتشرد. وبالرغم من أن الكثيرين يقولون إن الفيروس أثر على الجميع بالتساوي، إلا أنه في الحقيقة يؤثر على الفقراء والمنتمين إلى الطبقة المتوسطة بشكل أكبر من الأغنياء والساسة. البنى التحتية المتهالكة وأجهزة المناعة التي أضعفها سوء التغذية، والوصول غير المتساوي للرعاية الصحية: كلها ناتجة عن انعدام المساواة الاقتصادية. في عام 2018 وجدت دراسة أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر مناطق العالم من ناحية انعدام المساواة. علاوة على ذلك، فإن انعدام المساواة في الدول المنفردة قد تكون كبيرة للغاية. على سبيل المثال، في مصر يعيش أكثر من 32 في المائة من السكان البالغ عددهم مائة مليون نسمة في حالة فقر. وفي لبنان تبلغ هذه النسبة 40 في المائة.

وبينما يعيش المنتمون إلى الطبقة المتوسطة والغنية في شققهم ومنازلهم وفيلاتهم، ويتمتعون بدخل آمن وما زالوا قادرين على ممارسة العزل الاجتماعي، فإن غالبية الناس الذين يعيشون في فقر وفي مخيمات اللاجئين لا توجد لديهم رفاهية عدم الخروج للعمل أو تطبيق إجراءات العزل. إذا لم يحصلوا على دعم من المجتمع المحلي أو منظمات المجتمع المدني، فإن كثيراً منهم لن يستطيع حتى أن يبقى في منزله لأنه سيكون مضطراً للعمل لإطعام أسرته. البقاء في المنزل ترف للعديدين، ولكن لدى البعض، فإنه ليس خياراً. وقد أقدم أحد اللاجئين السوريين على إحراق نفسه لأنه لم يكن قادراً على دفع الإيجار.

 

 

غياب شبكة أمان شاملة

لقد أصابت الجائحة من يعملون في قطاعي السياحة والخدمات في مقتل. وطالما استمرت إجراءات الإغلاق وحظر التجول ووقف السفر، فإن عدداً متزايداً من الناس سيفقدون وظائفهم ومدخراتهم. هذا التأثير قد يستمر عدة شهور، وحتى سنوات. في مصر، تشكل السياحة 15  في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وفي الأردن 14 في المائة، و12 في المائة في تونس، وفي المغرب 8 في المائة. بمعنى آخر، فإن الملايين من الناس سيفقدون مصادر دخلهم وهم بانتظار حدوث شيء ما. لم تؤسس كل دول الشرق الأوسط برامج شاملة للدعم في مثل هذه الأزمة. إضافة إلى ذلك، بالرغم من وجود استجابات اقتصادية متنوعة أطلقتها الدول، إلا أنه لا توجد أي دولة قادرة على إدارة الآثار المجتمعية والاقتصادية الناجمة عن فقدان الملايين لمصدر دخلهم.

الدول في الشرق الأوسط لم تجهز لجائحة كورونا، إلا أنها استجابت لها بنفس الإجراءات الصارمة التي تبنتها الصين، رغم أن عدداً كبيراً من الناس سيفقدون وظائفهم. علاوة على ذلك، يجب أيضاً أخذ الأثر الذي سيتركه ذلك على شعوبهم الفقيرة في عين الاعتبار. معظم الاستجابة الاقتصادية للجائحة كان محاولة إنقاذ الشركات الكبرى والاقتصاد على المستوى الوطني، متناسين في نفس الوقت أولئك الذين يعتمدون على دخلهم اليومي.

كثير من الدول الشرق أوسطية سترى هذه الجائحة -والفرصة الفريدة التي تقدمها- من أجل استغلالها لبسط نفوذها أكثر، معتمدة على المراقبة وتقييد الحركة محلياً والتتبع الجماعي. هذه الإجراءات ستقوّض أي مبادئ ديمقراطية موجودة، وستقوي من شوكة الحكومة في ممارسة مزيد من السلطة على حياة الناس وحرياتهم.

هذه الجائحة تضع الشرق الأوسط أمام مفترق طرق جديد: فما زال من غير المعروف بعد كيف ستتصرف دول المنطقة بعد انقضاء الجائحة. نقص الشفافية في بعض الدول والفشل في الخروج باستجابة اقتصادية تنتصر للفقراء وانعدام المساواة الخطير، والإجراءات الصارمة لمواجهة فيروس كورونا – كلها مؤشرات على أن حالة الطوارئ في المنطقة ستستمر على الأرجح.

 

عبد الهادي العجلة

ترجمة: ياسر أبو معيلق

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

 
عبد الهادي العجلة زميل مؤسسة ماكس فيبر وباحث في دراسات ما بعد الدكتوراه في معهد الشرق في بيروت، وقيادي مشارك في مجال الهجرة العالمية وحقوق الإنسان في أكاديمية الشباب العالمية.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة