وجاويد غلام كان لا يزال متأثِّرًا جدًا، ولم يستطع حتى يومنا هذا التغلُّب على الهجوم. وعلاوة على ذلك فقد أخبرنا بأنَّه تقبَّل أخيرًا هو والعديد من أصدقائه منذ التاسع عشر من شباط/فبراير 2020 بأنَّهم لم يتم بتاتًا منحهم شعوراً بأنهم جزء من المجتمع الألماني، على الرغم من أنَّهم وُلِدُوا في ألمانيا. وأنَّه بالتوازي مع هذا الهجوم فقط أدرك مدى العنصرية اليومية، التي ابتلعها طوال حياته. وهذا الإدراك محزن طبعًا ولم يشاركه فيه أيضًا جميع الشباب الذين حاورناهم. ولكن مع ذلك فقد كان من المهم بالنسبة لنا أن نعرض وجهة نظره.

هل يوجد اقتباس أو لحظة علقت في ذاكرتكما أثناء البحث والاستقصاء؟

ألينا جبارين: كان يوجد الكثير من اللحظات القوية بشكل لا يُصدَّق وخاصة خلال الحوارات. لقد أظهر أفراد أُسر الضحايا قوةً كبيرة أثناء المحادثات. وكان لا بدّ لهم من السيطرة على أعصابهم لابتلاع آلامهم لأنَّ تسريع عملية الكشف عن الهجوم وتوضيح ملابساته أمر مهم بالنسبة لهم.

لا تزال حاضرة أمام عينيَ صورةُ القبور الثلاثة الجديدة لفرحات أونفار وحمزة كورتوفيتش وسعيد نصار هاشمي، الأصدقاءِ الثلاثة المدفونين الآن بعضهم بجانب بعض في مسقط رأسهم مدينة هاناو، وأنا أشاهد سنوات ميلادهم على شواهد القبور المؤقَّتة: 1996 و1997 و1998. وفي صباح اليوم التالي، أجرينا استطلاعًا للآراء في السوق، حيث التقينا -إلى جانب أحد أعضاء حزب "إن بي دي" [الحزب القومي الديمقراطي الألماني، اليميني المتطرف]- بعدة أشخاص لم تكن هاناو بالنسبة لهم أكثر من مجرَّد حادث فردي مأساوي.

 

الصحفية شام ياف - واحدة من القائمين على بودكاست إعلامي في ألمانيا لكشف ملابسات هجوم عنصري إرهابي على ذوي أصول مهاجرة تم في تاريخ  19 / 02 / 2020 بمدينة هاناو الألمانية.
نداء من أجل التوعية المستدامة: تقول الصحفية شام ياف إنَّ إحياء ذكرى الهجوم "سيكون صادقًا عندما نستطيع النظر إلى [ما حصل في مدينة] هاناو ضمن سياق أكبر والإصرار بعناد على بقاء هاناو كموضوع حيّ. وسيكون من الصدق أيضًا أن تتم محاربة اليمين المتطرِّف والعنصرية في كلِّ مكان - في المدارس وفي الشوارع وفي السياسة وداخل السلطات والأجهزة الأمنية".

 

اليمين المتطرِّف ليس ظاهرة جديدة

كثيرًا ما يدور الحديث في وسائل الإعلام حول "صعود اليمينيين". فهل هذا الرأي سليم - لا سيما وأنَّ منفِّذ هجوم هاناو يندرج ضمن قائمة طويلة من اليمينيين المتطرِّفين في ألمانيا؟

شام ياف: هذا الرأي بطبيعة الحال غير سليم. لا يدرك الكثيرون في ألمانيا أنَّ اليمين المتطرِّف له تاريخ طويل في البلاد. فهو ليس ظاهرة جديدة، كما كان في زولينغن وَ مولْن وَ روستوك-ليشتنهاغن وَ سلسلة هجمات خلية النازيين الجدد "إن إي يو" وَ ميونِخ وَ هاله وما يعرف باسم "المجموعة إس" - هذه مجرَّد بعض الأمثلة. اليمينيون المتطرِّفون قتلوا في ألمانيا بين عامي 1990 و2020 نحو مائتي شخص - وهذه "فقط" الحالات التي تأكَّدت فيها دوافع المجرمين السياسية.

التهديد الحقيقي الناجم عن المشهد اليميني المتطرِّف في ألمانيا -وخاصةً داخل الشرطة- بحاجة إلى نقاش آن أوانه منذ فترة طويلة. اليمين المتطرِّف لم يبدأ مع هاناو ولن يتوقَّف بالتأكيد عند هاناو. نحن نتحدَّث أيضًا حول المجرم منفِّذ الهجوم وماضيه وإلى أي مدى كان معروفًا لدى السلطات، ولماذا لم يحدث أن تم تصنيفه كيميني متطرِّف خطير؟ فقد كانت توجد أسباب أكثر من كافية لمتابعته عن كثب. ولكن ذلك لم يحدث قط. وهذا أيضًا موضوع رئيسي في البودكاست الخاص بنا.

كيف وجدتما التغطية الإعلامية في ألمانيا لهجوم هاناو خلال عام منذ وقوعه؟

شام ياف: من ناحية، كان الجانب الإيجابي أنَّ معظم وسائل الإعلام كانت سريعة نسبيًا في الحديث حول هجوم إرهابي يميني بدوافع عنصرية. ولكن من ناحية أخرى، كانت بعض وسائل الإعلام في ألمانيا تتكهَّن ليلة وقوع الهجوم متسائلةً إن لم تكن له علاقة بما تُسمى بمافيا ماكينات القمار أو ربَّما بـ "الروس".

ومثل هذه التصريحات السابقة لأوانها والتعميمية تعتبر خطيرة. ومن المؤسف أنَّه قد انتشر لفترة طويلة عالميًا وفي عموم ألمانيا افتراض يفيد بأنَّ الهجوم وقع فقط في مقهيين للشيشة. وهذا الافتراض غير صحيح؛ ويمثِّل أيضًا موضوعًا للنقاش في البودكاست. وعلاوة على ذلك فقد تم كثيرًا ذكر الرئيس التركي إردوغان، وبالتالي استحوذ في البداية على الخبر. وقال إنَّ معظم الضحايا من أصل تركي. ولكنهم لم يكونوا كذلك. وهذا أزعجني جدًا بصفتي كردية.

 

الصحفية ألينا جبارين - واحدة من القائمين على بودكاست إعلامي في ألمانيا لكشف ملابسات هجوم عنصري إرهابي على ذوي أصول مهاجرة تم في تاريخ  19 / 02 / 2020 بمدينة هاناو الألمانية.
نداء من أجل رفع مستوى الوعي والوقاية من العنصرية: "فقط عندما نطرح دائمًا موضوع العنصرية داخل مجتمعنا -وهذا يبدأ بالأمور الصغيرة وكثيرًا لدينا نحن أنفسنا أيضًا- فعندئذ ربَّما نصل في وقت ما إلى وضع يمكن فيه أيضًا للأشخاص الموسومين بأنَّهم مختلفون أن يشعروا بالأمن والأمان من جديد في ألمانيا"، مثلما تأمل الصحفية ألينا جبارين.

 

بصرف النظر عن البودكاست الخاص بكما وعن الكثير غيره من الريبورتاجات والصور والحوارات، التي يتم نشرها في الذكرى السنوية للهجوم: فكيف يمكن إحياء ذكرى هجوم هاناو بصدق وبشكل مستدام في ألمانيا؟ ماذا تأملان من المجتمع؟

شام ياف: هذا سؤال صعب. اليمين المتطرِّف والعنصرية يشكِّلان تهديدًا لكلِّ المجتمع في ألمانيا. والعنصرية البنيوية تخترق جميع مجالات حياتنا اليومية - بدءًا من المدارس. وبصفتي لاجئة كردية، فقد عانيت بنفسي من ذلك معاناةً شديدةً جدًا. سيكون إحياء ذكرى الهجوم مستدامًا وصادقًا عندما نستطيع النظر إلى هاناو ضمن سياق أكبر والإصرار بعناد على بقاء هاناو كموضوع حيّ. وسيكون من الصدق أيضًا أن تتم محاربة اليمين المتطرِّف والعنصرية في كلِّ مكان - في المدارس وفي الشوارع وفي السياسة وداخل السلطات والأجزة الأمنية.

ألينا جبارين: أنا أرى ذلك مثل شام. طبعًا من المهم الكشف عن ملابسات الهجمات المنفردة حتى لا تبقى هناك أسئلة مفتوحة. ولكن الأهم من ذلك بكثير أن نفهم في أي مناخ أصلًا كان ممكنًا حدوثها. ولماذا يمكن لأشخاص لديهم مثل هذه التصوُّرات ووجهات النظر العنصرية أن يعيشوا ويتعلموا ويعملوا في ألمانيا من دون ملاحظتهم. ولماذا نحن لا نزال للأسف نادرًا ما ننظر إلى اليمين عندما يتعلق الأمر بالإرهاب.

فقط عندما نطرح دائمًا موضوع العنصرية داخل مجتمعنا -وهذا يبدأ بالأمور الصغيرة وكثيرًا لدينا نحن أنفسنا أيضًا- فعندئذ ربَّما نصل في وقت ما إلى وضع يمكن فيه أيضًا للأشخاص الموسومين بأنَّهم مختلفون أن يشعروا بالأمن والأمان من جديد في ألمانيا. هل يمكن منع جميع الهجمات؟ ربَّما لا، ولكننا نريد على الأقل أن نصل إلى وضع يتم فيه فعل كلّ شيء على جميع المستويات حتى لا يحدث مرة أخرى هجوم مثلما حدث في هاناو.

 

 

حاورهما: شايان رياض

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

 

البودكاست الوثائقي "بعد عام على اعتداء هاناو - 19022020" من إنتاج أُستوديو سبوتيفاي وأستوديو ACB Stories. ومن تحرير: فيولا فونك وَ ألينا جبارين و شام ياف وَ شيداء كورت. ومن إنتاج: إيزابيل فووب وَ يان-فيليب فيلهيلم (من أُستوديو ABC Stories).

 

 
 
 
 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة