"لعب البعد الاقتصادي دوراً حاسماً في تجييش الفقراء وتحييد الطبقة المتوسطة في البلاد"

والمصريون ثاروا على نظام حسني مبارك للحصول على الحرية طبعاً ولكن مع العيش (الخبز) والعدالة الاجتماعية أيضاً. بل إني أزعم أن انضمام الطبقات الشعبية للثورة العارمة، التي بدأت على الإنترنت ما كان إلا بسبب من الضغوط المعيشية المريعة التي طبقها مبارك وطغمته للالتزام بشروط صندوق النقد الدولي.

والحال نفسه في توزيع القوى المتصارعة في حروب أهلية معلنة في لبنان وبعدها في العراق إثر الغزو الأميركي وزعزعة قبضة دولة البعث الحديدية هناك.

 

 

 فـ «الحرمان» هو الشعار، الذي بدأ به الإمام موسى الصدر تنظيم الحركة السياسية الشيعية في لبنان التي أنتجت لاحقاً كلاً من حركتي أمل وحزب الله. وشيعة العراق استخدموا رسائل مشابهة في تنظيماتهم السياسية/العسكرية التي استغلت انهيار نظام صدام حسين القمعي للانقضاض على الحكم في العراق انقضاضاً فيه الكثير من الشعور بالحرمان ومن الرغبة الطاغية في التعويض بأي طريقة كانت.

وفي حالتي اليمن والسودان، نلقى لعقود طويلة، اضطهاداً سياسياً وإهمالاً مناطقياً خدماتياً واقتصادياً. وها نحن نرى السودان سودانين، واحداً مسلماً وواحداً مسيحياً، واليمن قد يعود ثانيةً يمنين، وإن كان التوزع المذهبي غير متطابق تماماً مع التوزع المناطقي حتى الآن.

تبقى سورية، البلد الذي دفع أكثر من غيره ثمناً لصراعات ذات صبغة طائفية واضحة في السنوات السبع المؤلمة الأخيرة. هنا أيضاً، وفي شكل خاص، لعب البعد الاقتصادي دوراً حاسماً في تجييش الفقراء وتحييد الطبقة المتوسطة في البلاد، على رغم أن الطرفين من الغالبية السنية، وعلى رغم أن الصبغة العلوية المذهبية لنظام الحكم واضحة لا مراء فيها.

وقد جاءت السياسات الاقتصادية الرعناء للدولة والجفاف المتطاول لوادي الفرات في بدايات الألفية الجديدة لتصب الزيت على نار الحرمان والشعور بالغبن، ولكي تنطلق أكثر الاحتجاجات حزماً من أحزمة الفقر الفلاحية التي انتشرت حول المدن الكبيرة كدمشق وحلب، أو من المدن الأصغر التي يرتبط اقتصادها ارتباطاً وثيقاً بالإنتاج الزراعي والحيواني كحمص وحماة.

أن تكون تلك الاحتجاجات قد اكتسبت صبغة طائفية مذهبية، متطرفة في أحيان كثيرة، يجب ألا ينسينا أسسها الطبقية ودوافعها الاقتصادية. هذا الوعي يجب أن يكون حاضراً ليس فقط في تحليل مسببات الثورات العربية ولكن، وهذا هو الأهم، في طرح حلول تروم الوصول إلى جذورها الأصلية ومعالجتها.

  

 

ناصر الرباط

حقوق النشر: قنطرة 2018

* كاتب سوري وأستاذ في «أم أي تي» في الولايات المتحدة.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.