عمر، لاجىء سوري وقد أحاطت بعينيه هالة سوداء، عندما توجهت إليه بالسؤال، يبدو عليك الأرق والتعب النفسي، وكان جوابه: لا أعرف ماذا أفعل؟ لقد انتهيت من المستوى الثاني من اللغة الألمانية، ومحتار في أمري ماذا أصنع وكيف أنطلق في هذه البلاد؟ وهل من الممكن بعد كل هذا التعب في تعلم اللغة أن يرحلوني من البلاد؟

محمد، لا يخرج من منزله إلا للأمكنة المتوجب عليه الذهاب إليها، كالجوب سنتر ومكتب الأجانب، يقول: لقد تحولت إلى جثة محنطة هنا، أملك شهادة علمية عالية ويريدونني ان أذهب للعمل (الساعة بيورو ) ماذا أصنع ؟ كيف انطلق لا أعرف؟ لم أترك طبيبا ليعرف علتي وأسباب الدوخة وعدم التركيز إلا وذهبت إليه!

انسداد الآفاق في أوساط اللاجئين السوريين

هذه أمثلة من مئات الأمثلة غير المحرجة أبدا لحالات الاكتئاب وانسداد الآفاق في أوساط اللاجئين السوريين، إضافة إلى حالات الشد العصبي والمشاكل الزوجية وحالات الانفصال والطلاق، فتأخر البت في الإقامات وتأخر لم شمل الأسر وصعوبات التعلم اللغوي وقلة التفاعل مع المجتمع الجديد والتواصل الإنساني وحضور الذاكرة السورية لما جرى في سوريا ولشعبها، هذا و لم نقل أن كثيرا من حالات الاكتئاب والمرض النفسي هي لأفراد خضعوا لتجارب سيئة سواء في المعتقلات أو الحصار أو المناطق الساخنة والتي تعرضت للقصف الصاروخي والبراميلي.

طالبو لجوء على مشارف ألمانيا.
حالة اغتراب خطيرة: "حالة الاغتراب هي سمة المجتمعات الرأسمالية عامة ما يشكل تحديا آخر أمام طالبي اللجوء وتعقيدات الإجراءات البيروقراطية ولذلك كثيرا ما يقوم اللاجىء ببعض الممارسات تعويضا له عن حالة الاغتراب تلك، ومن أبرزها نمو نزعة التدين لدى كثيرين من طالبي اللجوء والتي قد تتحول لدى البعض إلى تدين عصابي غير صحي بتاتا كونه ينحو باتجاه التدين المعادي والرافض للآخر المختلف. وهذا النوع من التدين الذي يهرب إليه بعض طالبي اللجوء يشكل تهديدا للصحة النفسية لصاحبه وقد يصل إلى التهديد المادي عبر تكفير الآخر المختلف أو الرغبة في إيذائه، ما يجعل هذا النوع من المتدينين العصابيين صيدا ثمينا وجاهزا للمنظمات الإرهابية المشبوهة!"، كما يرى منصور حسنو.

فعلى سبيل المثال كان في مدرسة تعلم اللغة الألمانية VHS طالب يبدو عليه أثر ضربة قوية على رأسه حملها معه من سوريا جعلته أقرب لفقد الذاكرة والتصرف بغرابة وهو يضع ريشة على رأسه كالهنود الحمر، ويقول عن نفسه أنه مخرج سينمائي!

اذن يشكل الاكتئاب الحاد تهديدا كبيرا للصحة النفسية يحتاج إلى الرعاية الصحية كما الرعاية الطبية سنفرد له بحثا مستقلا بغية المعالجة والتخفيف من آثار الحرب كمقترحات مضافة لسياسة الاندماج في المجتمع الجديد.

القلق

يوصف القلق بأنه مرض العصر الحديث لما في الحياة المعاصرة من تعقيد بعيدا عن البساطة الأقرب لطبيعة الإنسان، ويعرف القلق أنه حالة من الخوف الغامض الشديد الذي يتملك الإنسان ويسبب له الكدر والنكد والضيق، والقلق يعني الانزعاج، فالشخص القلق يتوقع الشر والسوء دوما، ويبدو متشائما متوتر الأعصاب كما أنه يفقد الثقة بنفسه ويفقد معه التركيز كما يصرح بذلك (فرويد).

فالسوري لم يعد قلقا على سوريا الوطن فحسب بل حتى على خلاصه الفردي، سؤال المستقبل هو ما يهيمن على عقلية السوري في بلدان اللجوء، فمن وطن أصبح سؤال العودة إليه مستبعداعند البعض إلى وطن أصبح سؤال المستقبل مطرقة تدق رؤوس القلقين، فهناك قلق البعض من صعوبات الاندماج وصعوبات التعلم اللغوي وقلق فقدان الصديق الثقة وقلق الوجود المستقبلي بعد انتهاء مدة الإقامات.

وهناك "قلق الإرهاب" كما سميته في مقالة سابقة، فعند كل حادثة إرهابية في أوروبا يضع اللاجىء السوري يده على قلبه عن تبعاتها شعبيا وسياسيا. فهو يرى أن البلاد التي فتحت له أبوابها عليه أن يفتح لها قلبه حبا وعطاء. وإذا ببعض المتطرفين يريدون تعكير هذه الارادة عند الطرفين، ولذلك أصبح قلق الإرهاب مرضا يصيب طالبي اللجوء ومواطني الدولة المضيفة، ما يحتم على الطرفين بناء جسور الثقة والتفاهم وكسر النظرة الدوغمائية للوافدين الجدد، الذين يصرون على أن قضية الإرهاب قضية تعالج قانونيا وأمنيا ويتحمل الجرم فاعله وليس مذهبه أو ديانته التي ينتمي إليها كثير من طالبي اللجوء.

الاغتراب النفسي وسؤال الهوية

يرى إريك فروم أن الاغتراب نوع من الخبرة التي يرى فيها الشخص نفسه غريبا عن نفسه: فيرى أنه لا يمكنه التحكم في أفعاله بل تسوقه أفعاله وينساق إليها، ما يجعله بعيد الاتصال بنفسه وبالآخرين.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : تدهور الحالة النفسية وراء أمراض اللاجئين الجسدية

من المعروف أن هؤلاء السوريين هربوا من الحرب وأن ألمانيا استقبلتهم كلاجئين إنسانيين على أساس أنهم سيعودوا إلى وطنهم سوريا فور استقرار الأن في بلادهم. سوريا الآن فيها الكثير من المناطق المستمرة التي يجب عليهم العودة إليها لبناء بلدهم سوريا وعدم البقاء في بلد يعتبرونه غربة واغترابا.
عودوا إلى وطنكم فهو بحاجة لكم.

محسن الطيراوي18.10.2017 | 20:13 Uhr