ويرى كذلك (فروم) أن الاغتراب وعي الفرد بالصراع القائم بين نفسه وبين المجتمع المحيط به ما يجعله يشعر بعدم الانتماء، وتنمو لديه دوافع العدوانية والسخط التي يفقد معها أي شعور بوجود معنى للحياة.

وقد اعتبر كثير من علماء النفس وخصوصا جماعة "المدرسة النقدية الفرانكفونية" أن الاغتراب أخطر ما يهدد إنسان العصر الحديث بعد سيطرة الآلة عليه و"تشيُّؤ الإنسان".

لذلك، فإن حالة الاغتراب هي سمة المجتمعات الرأسمالية عامة ما يشكل تحديا آخر أمام طالبي اللجوء وتعقيدات الإجراءات البيروقراطية ولذلك كثيرا ما يقوم اللاجىء ببعض الممارسات تعويضا له عن حالة الاغتراب تلك، ومن أبرزها نمو نزعة التدين لدى كثيرين من طالبي اللجوء والتي قد تتحول لدى البعض إلى تدين عصابي غير صحي بتاتا كونه ينحو باتجاه التدين المعادي والرافض للآخر المختلف.

وهذا النوع من التدين الذي يهرب إليه بعض طالبي اللجوء يشكل تهديدا للصحة النفسية لصاحبه وقد يصل إلى التهديد المادي عبر تكفير الآخر المختلف أو الرغبة في إيذائه، ما يجعل هذا النوع من المتدينين العصابيين صيدا ثمينا وجاهزا للمنظمات الإرهابية المشبوهة!

كما أنّ انقسام المجتمع السوري باعتبارات ثورية (موالية ومعارضة) واعتبارات دينية (سنة وأقليات) واعتبارات عرقية (عربا وكردا) وانقسامات ثقافية (إسلامية وعلمانية ) نقل معه هذا الانقسام أمراضه إلى بلدان اللجوء فمن الكرد من يقول: بأصله الكردي فحسب ولا علاقة له بشيء اسمه سوريا، ومن الثوريين من يقول: لا حل إلا بدولة الخلافة وهذه المسميات خلقتها سايكس بيكو، ومن السوريين من يرفض الجلوس مع شخص في بلدان اللجوء كونه من المذهب العلوي ومئات القصص التي يعتبر الفيس بوك مؤشرا خطيرا عليها.

هذه قصص مأساوية ومرَضية معبرة عن أزمة السوريين النفسية والاجتماعية والسياسية، ويجب العمل على معالجتها ثقافيا وتفاهميا. وهذا ما يجب على أصحاب القلوب الكبيرة والعقول المستنيرة والنفوس الصحيحة أن تعمل لأجله.

كثيرة هي الشعوب التي عانت ما عاناه السوريون اليوم، وليست النازية والفاشية والأسدية والإرهابية والداعشية في النهاية سوى نزعات مرضية تدميرية وبربرية ساهمت في خلق نفوس مريضة وغير سوية نفسيا جرى تجاوزها عند بعض الشعوب والأمم عبر الثقافة ونضج المعرفة وصياغة القوانين والدساتير، وهذا ما يجب علينا كسوريين تعلمه في بلدان اللجوء: أن تغلب إرادة الحياة إرادة الموت، ويجب أن نخلق الأمل ونطرد اليأس ونثبت أننا شعب جدير بالحياة والكرامة، كما على حكومات البلدان الأوربية أن ترى في الوافدين الجدد دماء جديدة وطاقات مكبوتة يجب استثمارها وتأهيلها وتبعد ملف اللاجئين عن المناكفات السياسية والإعلامية والشعبوية وتترك لهم نافذة أمل لينطلقوا في الحياة من جديد ويرمموا ذاتيا نفوسهم المجروحة. فما من شعب خرج من الحرب إلا وكان خلاقا مبدعا ولا يحتاج الألمان لمثل هذا البرهان!

 

منصور حسنو

حقوق النشر: موقع قنطرة 2017

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : تدهور الحالة النفسية وراء أمراض اللاجئين الجسدية

من المعروف أن هؤلاء السوريين هربوا من الحرب وأن ألمانيا استقبلتهم كلاجئين إنسانيين على أساس أنهم سيعودوا إلى وطنهم سوريا فور استقرار الأن في بلادهم. سوريا الآن فيها الكثير من المناطق المستمرة التي يجب عليهم العودة إليها لبناء بلدهم سوريا وعدم البقاء في بلد يعتبرونه غربة واغترابا.
عودوا إلى وطنكم فهو بحاجة لكم.

محسن الطيراوي18.10.2017 | 20:13 Uhr