"لكلّ إنسان وطنان: وطنه وسوريا"

"سوريا بلد بلا حرب" كتاب مصور يوثق سورية مثلما كنا نعرفها

من أجل مواجهة تصورات الكثيرين الرابطة سوريا بالحرب فقط، أعَدَّ ونشر المصور والمستشرق الألماني لوتس ييكل والكاتبة الألمانية ذات الأصول السورية لمياء قدور كتابا مصورا يضم صورا من سوريا قبل الحرب. ماريان بريمَر يستعرض كتاب الصور هذا لموقع قنطرة.

استعادة سوريا مثلما كانت قبل عام 2011 تكاد تبدو حلمًا بعيد المنال. مَنْ لم يزُرْ سوريا قبل الحرب ولم يذُق بتاتًا كرم الضيافة السورية أو لم يتجوَّل في إحدى الأسواق القديمة العريقة لا يعرف شيئًا عن روح وثقافة هذا البلد، الذي مزَّقته الحرب. لم يدرك الكثيرون [في ألمانيا] وجودَ سوريا على خارطة العالم إلَّا من خلال دوَّامة الأخبار المأساوية، التي لا تريد الانتهاء.

عندما أروي اليوم للناس [في ألمانيا] عن سفري إلى سوريا وإقامتي هناك لستة أسابيع في صيف عام 2009، لا يكاد أحد يستطيع تصديق أنَّني كنت أشعر فعلًا بالراحة هناك. أتذكَّر تعليقًا يميني التوجُّه على موقع فيسبوك في شتاء 2017 / 2018، زعم فيه أحدُ مستخدمي فيسبوك أنَّ "السوريين يجب أن يكونوا سعداء لأنَّ بإمكانهم أن يمارسوا إسلامهم هنا في بلادنا، مع أنَّ المسيحيين في سوريا لا يمكنهم حتى التفكير في الاحتفال بعيد الميلاد".

الدولة العربية الأكثر ثراءً من الناحية الإنسانية

وبالنظر إلى مثل انعدام المعرفة هذا الواسع الانتشار، يبدو أنَّ الكتاب المصوَّر "سوريا بلد بلا حرب"، المنشور في خريف عام 2017 لدى دار نشر مالك، يسدُّ هنا فجوة يجب ملؤها منذ فترة طويلة. يُقدِّم هذا الكتاب "لمحات شخصية عن بلد خالٍ من الخراب" ويُظهر للقرَّاء الألمان أنَّ سوريا كانت ولا تزال موجودة قبل الحرب وبعدها.

جاءت فكرة هذا الكتاب من أرشيف صور المصوِّر والباحث في الدراسات الإسلامية لوتس ييكل، الذي سافر إلى دمشق أوَّل مرة في عام 1993 من أجل اختبار إلمامه باللغة العربية. واتَّضح له خلال رحلاته المتكرِّرة أنَّ سوريا كانت بالنسبة له هي "الدولة العربية الأكثر متعةً وتشويقًا وإثارةً للاهتمام والأكثر ثراءً من الناحية الإنسانية".

 

سوق الحميدية في دمشق - سوريا. Foto: Lutz Jäkel
صورة من الحياة اليومية في سوريا تغلب عليها أجواء المرح والبهجة في الحياة: يعرض هذا الكتاب المصوَّر صورًا من بينها صور بائع عصير التمر الهندي المتجوِّل بملابس عثمانية بين المتسوِّقين في سوق الحميدية بدمشق ومسيحيين سوريين يُقطِّعون الخضار وكذلك أفرادا من الجيل الشاب عادية يمزحون ويتغازلون.

 

تتذكَّر الباحثة ومدرِّسة مادة التربية الإسلامية والصحفية لمياء قدور ومحرِّرة كتاب "سوريا بلد بلا حرب" في مقدِّمتها لهذا الكتاب رحلاتها أثناء العطلة الصيفية إلى قرية أجدادها الواقعة على الحدود السورية التركية، وتلك الأيَّام بين أشجار الزيتون والتين. لقد مات أفرادٌ من عائلتها أيضًا، واختلطت الآن ذكريات طفولتها بصور البؤس والمعاناة من الحرب الأهلية.

نفحة الحنين إلى الماضي

وهكذا توجد دائمًا نفحة من الحنين إلى الماضي في نصوص مختلف المؤلفين، الذين استطاع لوتس ييكل ولمياء قدور كسبهم من أجل مشروعهما. يتحدَّث السوريون الألمان أو الألمان، الذين كانوا يسافرون قبل الحرب إلى سوريا بشكل منتظم من أجل العمل، عن سوريا لم تعد موجودة كما كانت.

تغلب أجواءُ المرح والبهجة في الحياة على صور لوتس ييكل التي جاء بعضها ملوَّنة وبعضها الآخر بالأبيض والأسود وتُظهر أفضلَ ما في الحياة اليومية في سوريا: بائعَ عصير التمر الهندي المتجوِّل بملابس عثمانية بين المتسوِّقين في سوق الحميدية بدمشق ومسيحيين سوريين يُقطِّعون الخضار وكذلك أفراد من الجيل الشاب بملابس عادية يمزحون ويتغازلون.

تأخذ الصور متناغمة مع النصوص التذكارية القصيرة القارئ مرارًا وتكرارًا إلى أماكن ترمز إلى الثقافة السورية. فمثلًا، يتحدَّث لوتس ييكل حول المعالجة البدنية بالفَرْك والدَّعْك في الحمَّامات السورية، بينما تُغنِّي كريستين هيلبيرغ -التي عملت في السابق مراسلة صحفية في سوريا- أغنية مديح لمحل العصير في حيِّها بدمشق، الذي كان صاحبه يُلمِّع بلطف وكلَّ يوم البطيخ المعروض لديه.

وهناك نصوص أخرى ذات نبرة أقل متعةً وسرورًا، تُذكِّر أيضًا الحضور الطاغي لنظام الأسد والتواجد الجليدي لأجهزة مخابراته في المجتمع السوري. وتُلخص كريستين هيلبيرغ تاريخ صناعة صابون الغار الحلبي التقليدي المُنتج من زيت الزيتون، وتصف كيف تم سؤال لاجئين سوريين ذات مرة من قِبَل مساعدي إغاثة أوروبيين في لبنان إنْ كانوا يعرفون كيف يستخدمون الصابون - مع أنَّ السوريين على اتصال بالصابون منذ ألف ومئتي عام.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة