تضخيم "الخصومة الأيديولوجية" مع العدالة والتنمية

 رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران
أظهر حزب "العدالة والتنمية" مرونة كبيرة في التعامل مع طلبات الملك من أجل البقاء حاضراً في المشهد السياسي كرقم صعب في المعادلة السياسية المغربية المعقدة.

وعوض أن تركز الحملة التواصلية لفيدرالية اليسار على الحصيلة الحكومية لحزب العدالة والتنمية وقراراته الاقتصادية وسياساته الاجتماعية النيو ليبرالية وعلى فشله في تغيير موازين القوى من داخل النسق الشرعي لصالح توسيع هامش صلاحيات المؤسسات المنتخبة على حساب القصر، فإن خطاب الائتلاف اليساري كرّس قدراً كبيراً من الطاقة لمهاجمة المرجعية الدينية التي ينحدر منها حزب العدالة والتنمية، وتضخيم "الخصومة الأيديولوجية" مع العدالة والتنمية. وهكذا تكون فيدرالية اليسار قد تجاهلت، من خلال هذه المقاربة، واقع أن الملعب السياسي لا تزال شروطه غير ناضجة لنشوء مثل هذه القطبية الحزبية الأيديولوجية – أي اليمين في مواجهة اليسار أو المحافظ في مواجهة الحداثي – ذلك أن لا أحد من الكتل البرلمانية يستطيع تنفيذ برنامجه الأيديولوجي ما دامت الصلاحيات الرئيسة لا تزال في يد القصر.

ونحا خطاب قادة الفيدرالية في هذا الجانب منحى غير مسنود بأدلة على أرض الواقع، وذهب بعيداً حينما اتهمت منيب، في إحدى الندوات الصحفية، حزب العدالة والتنمية بأنه حامل لمشروع "عابر للقارات" ويحلم بـ"إقامة الخلافة"، وهو خطأ تقديري استراتيجي لأنه تقاطع ضمني وإن كان غير متعمد مع جزء مؤسس للمتن الخطابي الصدامي الذي بنى عليه حزب الأصالة والمعاصرة شرعية وجوده ومواجهته للعدالة والتنمية باعتباره فرعاً تابعاً للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين ينفذ أجندات خارجية بحسب أطروحته.

كان بإمكان فيدرالية اليسار الديمقراطي الفوز بأصوات الناخبين من خلال توجيه انتقادات لاذعة لرصيد حزب العدالة والتنمية في السلطة، لكنها، وعبر استخدام تكتيكات زرع الخوف في النفوس على غرار تلك التي يلجأ إليها حزب الأصالة والمعاصرة، أضاعت الفرصة التي كانت سانحة أمامها لخلق هويتها الخاصة في عيون الناخبين – فيما تجاهلت في الوقت نفسه الواقع غير الملائم لها بأن حزب العدالة والتنمية لم يتخذ فعلياً أي خطوات لتقييد الحرية الفردية أو أسلمة الدولة.

كما أن قادة فيدرالية اليسار الديمقراطي لم يحسنوا استغلال معطى وجود طرف سياسي، هو حزب العدالة والتنمية، اختبر لأول مرة تجربة الاشتغال من داخل النظام وخرج زعيمه عبد الإله بنكيران ليعترف بشكل علني وغير مسبوق بمحدودية هامش تحرك المؤسسات المنتخبة ويعلن عن وجود قوى سلطوية ترفض حتى التفويض المحدود جداً الذي تمنحه صناديق الاقتراع.

فعوض العمل بشكل براغماتي على الأقل على توظيف هذا الواقع لصالحهم، انشغلت خطابات فيدرالية اليسار أكثر بمهاجمة الحمولة اللغوية والمعجمية لكلمة "التحكم" التي استعملها زعيم حزب العدالة والتنمية لتوصيف دولة الظل أكثر من نقض خطورة هذه البنى الاستبدادية على مستقبل البناء الديمقراطي البطيء، وساهم تبني هذا الحياد السلبي إزاء نقاش فرض نفسه في الساحة السياسية المغربية، في تعميق الصورة الضبابية لموقف فيدرالية اليسار خصوصاً بالنسبة لدعاة التصويت السياسي المترددين بين عرضَي العدالة والتنمية وفيدرالية اليسار.

لكن هذا الفشل الانتخابي الراهن لا يحجب أن فيدرالية اليسار الديمقراطي قد نجحت في تنصيب نفسها في موقع القوة اليسارية الأولى على المستوى العملي حيث تجاوز عدد أصوات فيدرالية اليسار مجموع أصوات حزب الاتحاد الاشتراكي في أكثر من عشر مدن كبرى كالدار البيضاء وطنجة ووجدة. وهو ما يؤشر إلى أن القاعدة الانتخابية التقليدية لليسار قد تحولت للتصويت لفيدرالية اليسار، وإلى أن مزاج جزء مهم من ناخبي الحواضر يميل أكثر للتصويت للمشاريع النزيهة التي لها استقلال عن الإدارة، وهو ما قد يفسر على ما يبدو نسبة التصويت المهمة التي حصلت عليها فيدرالية اليسار في دائرتَي أنفا في الدار البيضاء والمحيط في الرباط (الدائرتَين حيث فاز التحالف بالمقعدَين البرلمانيين، وحل في المرتبة الثالثة محلياً بعد حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة).

ومع كل ما يمكن ملاحظته على إدارة فيدرالية اليسار لحملتها الانتخابية وبرنامجها الانتخابي، فإن الخلل أبعد من مجرد إخفاق في تدبير مرحلة الانتخابات. فكل واحد من الأحزاب المكوِّنة للتحالف يعاني من معوّقات بنيوية – مثل المشاكل التنظيمية، وشيخوخة الزعامات، والعجز عن إنتاج نخب جديدة، والبيروقراطية التنظيمية الشديدة الوطأة – وكذلك من الفشل في مسايرة المرحلة والتطورات العميقة التي عرفها المجتمع.

وبالتالي عجزت أحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي عن صياغة مشروع يساري واضح ومتجدد يحل بديلاً عن الشعارات الجوفاء والإنشائية النخبوية المفرطة ليكون خياراً بديلاً تلتف حوله حساسية كامنة في المجتمع ويكون قادراً على التعبئة. غير أن التباينات في الرؤى والأهداف المرادة من هذا التنسيق بين الأحزاب الثلاثة قد تكون المعرقل الرئيس لإرادات البناء المستقبلية.

 

 

عماد استيتو

حقوق النشر:  صدى - مركز كارنيغي للشرق الأوسط 2016

عماد استيتو صحفي مغربي مقيم في الرباط. يمكنكم متابعته عبر تويتر: StitouImad@

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.