لماذا استمرار احتجاز نساء بعد انتهاء محكوميتهن؟
سجينات في اليمن محتجزات خارج القانون اليمني

عشرات السجينات باليمن امتنعت سجون عن إطلاق سراحهن بعد انتهاء المدة القانونية لاحتجازهن، وذلك بمناطق سيطرة الحوثيين وأيضا بمناطق سيطرة الحكومة اليمنية. المبررات تشمل رفض ذَوِي قرابتهن لهن لاعتباراتٍ اجتماعية أو عدم وجود من يستلمهن من أقارب أو سياسات غير قانونية تحت حجة حمايتهن من المجتمع.

ثمانية أشهر مرت بعد انقضاء محكومية أُلفت سعيد (21 عامًا) بالسجن الذي لم تغادره إلا جثةً، جراء القصف الذي استهدف سجن تعز المركزي في 5 نيسان/ أبريل 2020، بقذائف أطلقها الحوثيون (كما في الصورة). أسفرت الحادثة عن مصرع ست سجينات وطفلين (أحدهما ولد في السجن، والآخر كان يزور أمه). 

لم تكن "ألفت" سوى واحدة من عشرات السجينات اللاتي تمتنع السجون في اليمن عن إطلاق سراحهن، بعد انتهاء المدة القانونية لاحتجازهن وذلك في مناطق سيطرة الحوثيين، كما في مناطق سيطرة الحكومة. المبررات تشمل رفض ذَوِي قرابتهن لاعتباراتٍ اجتماعية، أو عدم وجود من يستلمهن من الأقارب، أو سياسات غير قانونية تحت حجة حمايتهن من المجتمع.

تخلي الأهل عن السجينات

أمينة أحمد (22 عامًا)، كانت إحدى نزيلات السجن المركزي بتعز، غداةَ قصفه. بقيت مسجونة خمسة أشهر بعد انقضاء محكوميتها. اليوم، تقيم في دار الإيواء بتعز الواقعة تحت سيطرة الحكومة. تقول: "سجنت بتهمة لم أرتكبها، جعلت أهلي يتبرؤون مني ويتخلون عني. وحين قُصف السجن، كنا نحن الضحايا... كان ذلك شيئًا مرعبًا وفظيعا. الخوف أدخلني في حالةٍ لم أعد أتقبل فيها أحداً، ولا أرغب في الحديث مع أحد، من هول ما شاهدناه وعايشناه". بعد يومين من حادثة قصف السجن، نُقلت السجينات إلى دار الإيواء. "والآن الحمد لله، كل شيء على ما يرام، فهي تعاملنا كأم"، توضح أمينة.

كان لـ "أمينة" رفيقةٌ في السجن، هي الأخرى قَضَتْ خلال القصف "كانت معانا أخت دخلت بلا أي تهمة، سوى أن والدها أراد تأديبها لعدم طاعتها له، مع ذلك ظلت في السجن، ولم يأتِ أحدٌ ليسأل عنها، وحين لقيت حتفها أثناء القصف، رفض أهلها استلام جثتها".

استمرار الاحتجاز يطال القاصرات أيضا. شامة (14 عامًا) تقبع منذ 22 شباط/ فبراير 2021، في السجن المركزي بصنعاء الواقع تحت سيطرة الحوثيين، قيد حجز احتياطي مُعلّق الانقضاء بتوفر الضمان الحضوري لأحد ذويها الذكور، رغم أنها يتيمة الأب، ولا أخوة لها أو أقارب، سوى عمتها التي تعيشها بمعيتها.

 

 الوثيقة الخاصة بأمر تجديد الحبس الاحتياطي بحق شامة لمدة "خمسة وعشرين يومًا" مع شرط الإفراج "بالضمان الحضوري".  Document regarding renewal order of detention for a period of twenty five days - Women Yemen.
الوثيقة الخاصة بأمر تجديد الحبس الاحتياطي بحق شامة لمدة "خمسة وعشرين يومًا" مع شرط الإفراج "بالضمان الحضوري".

 

دخلت "شامة" السجن من دون اقتراف ذنب، سوى أنها رفضت الامتثال لمحاولة ابتزاز من متسولٍ (بلطجي). حاول انتزاع مبلغ من المال منها، بينما كانت تبيع المناديل الورقية وقناني الماء بشوارع صنعاء. فانتقم منها بإبلاغ الشرطة أنها تمارس أعمالًا غير أخلاقية. أُلقي القبض عليها، وأودعت في السجن، بحسب الحقوقية والمحامية باتحاد نساء اليمن، نسيم المهذلي.

مع ذلك، تقرر تجديد فترة احتجازها، بأمر من القاضي عصام معياد، رغم أن النيابة كانت قد قررت الإفراج عنها لعدم وجود أدلة كافية، وفقًا للمهذلي. علاوة على ذلك فقد نص قانون الأحداث اليمني على أن يكون الإيداع للأحداث -في حال الضرورة- داخل دور الرعاية الاجتماعية، وليس في السجن المركزي.

قانون عرفي

لا يتضمن قانون الجرائم والعقوبات اليمني، ما ينص على حرمان المرأة من حريتها بعد انتهاء فترة الاحتجاز القانونية، كما لا يتضمن أي إشارة إلى ضرورة وجود أحد أولياء السجينة كشرط لإطلاق سراحها، بل إن نص القانون يجرِّم احتجاز السجين بعد انتهاء محكوميته.كذلك نص الدستور اليمني على أن "تكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم، ويحدد القانون الحالات التي تقيد فيها حرية المواطن، ولا يجوز تقييد حرية أحد إلا بحكم من محكمة مختصة".

 

************

قانون الجرائم والعقوبات اليمني (رقم 12 لعام 1994)

المادة (246)

"يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات من قبض على شخص أو حجزه أو حرمه من حريته بأية وسيلة، بغير وجه قانوني، وتكون العقوبة، الحبس مدة لا تزيد عن خمس سنوات، إذا حصل الفعل من موظف عام أو بانتحال صفته، أو من شخص يحمل سلاحاً، أو من شخصين أو أكثر، أو بغرض السب أو كان المجني عليه قاصرًا، أو فاقد الإدراك، أو ناقصًا، أو كان من شأن سلب الحرية تعريض حياته أو صحته للخطر".

المادة (247)

"يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات، أو بالغرامة، بحق كل من أعد مكانا للحبس أو الحجز فيه بدون وجه حق، أو أعاره أو أجَّره أو قدمه لهذا الغرض دون أن يشترك في القبض على إنسان أو حبسه أو حجزه".

************

 

احتجاز المرأة بعد انتهاء محكوميتها، منافٍ للقانون اليمني من الناحية النظرية. بينما ما يتم التعامل به في الواقع مع السجينات يشبه القانون العرفي (غير المدون)، ولا سيما أن القانون أمسك عن التفصيل في بيان ما يتعلق بكون السجين امرأة، ما ساهم في إبقاء الهامش متسعًا لتجذُّر الاجتهادات والقوانين العرفية في مناطق سيطرة الحكومة كما في مناطق سيطرة الحوثيين.

"قانون ظالم للمرأة السجينة" صيغ بشكل سريع بعد الوحدة اليمنية

عبد الرحمن الزبيب، المستشار القانوني للمؤسسة الوطنية لمساندة السجناء (ميسرة)، يعزو أسباب هذا الإشكال إلى أن "القانون اليمني صيغ بشكل سريع بعد الوحدة اليمنية في 22 أيار/ مايو 1990، على نحوٍ لم يراع عادات المجتمع وطبيعته. فهو قانون ظالم للمرأة السجينة".

وبحسب الزبيب، فإن استمرار احتجاز السجينات، بعد انقضاء الفترة المحددة من قبل المحكمة أو النيابة، يعد انتهاكًا لاتفاقيات ومواثيق حقوق الإنسان، وحقوق السجينات التي كفلها الدستور والقانون اليمني، ذلك أنه "كان من المفترض على من سن القانون، مراعاة أنه لا يوجد أدنى مؤشر للمساواة في المجتمع اليمني. كان يجب أن يتناول السجينات، وألاَّ يجعل هذه المادة من القانون عامة".

 

آثار قصف استهدف سجن تعز المركزي في 5 نيسان/ أبريل 2020، بقذائف أطلقها الحوثيون أسفر عن مصرع ست سجينات وطفلين (أحدهما ولد في السجن، والآخر كان يزور أمه). Effects of bombing of a women’s prison in Taiz by Houthis in Yemen FOTO Khaled Al-Qadi 02
ينفي أنس سيف، وكيل مصلحة السجون التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا، وجود سجينات محتجزات خارج الفترة القانونية، في جميع الإصلاحيات بمناطق سيطرة الحكومة اليمنية، قائلاً: "قمنا بمعالجة المشكلة، خلال العامين 2019 و2020، ذلك أن إطلاق سراح السجناء والسجينات -الذين انتهت فترات محكومياتهم- كان أحد الإجراءات التي قمنا بها لمواجهة وباء كورونا... إلى جانب إنشاء دار لإيواء السجينات في عدن، بالتالي تم حل مشكلة السجينات المفرج عنهن نهائيًا". في مناطق سيطرة الحوثيين، تتشدد السلطات في عدم السماح بإطلاق سراح السجينة من دون حضور أحد أفراد عائلتها الذكور، رغم أن ذلك غير موجود في القانون. الصورة من آثار قصف استهدف سجن تعز المركزي في 5 نيسان/ أبريل 2020، بقذائف أطلقها الحوثيون أسفر عن مصرع ست سجينات وطفلين (أحدهما ولد في السجن، والآخر كان يزور أمه).

 

استمرار احتجاز السجينات، بمبرر عدم حضور الأهل أو عدم وجود ضمانات، يعد عنفًا قائمًا على النوع الاجتماعي، ذلك أن الرجل يتم إطلاق سراحه بلا شروط أو قيود، بينما توضع الشروط على المرأة السجينة فقط، يؤكد الزبيب.

المحامية رغدة المقطري، اعتبرت أن الأمر جريمة، وتقول: "لا وجود لذلك التصرف، نصٌ في الدستور أو القانون أو اللوائح القضائية أو لوائح السجون، وإنما هو عُرف يقوم به القائمون على سجون النساء منذ زمن، على نحوٍ مخالف. إلى جانب ما قد يسببه من تبعات على نفسية السجينة، والدليل ما حدث من جريمة في سجن حين تعرض للقصف". 

عقاب بلا ذنب - لا تعلم من اعتدى عليها حين كانت فاقدة للوعي

تكفَّلت المحامية نسيم المهذلي، بالمرافعة في قضية السجينة يسرى (21 عامًا) التي مضى عليها عامٌ في السجن خارج مدة عقوبتها المقررة من المحكمة، رغم أنها كانت ضحية لجريمة اغتصاب أفلَتَ منها الجاني، وفقًا للمحامية. توضح المهذلي أن "البنت (يسرى) تعاني من نوبات صرع، وفي كل مرة تنتابها الحالة تفقد الوعي. وفي إحدى المرات بينما كانت ترعى أغنام أهلها في ريف إب (الواقع تحت سيطرة الحوثيين)، باغتتها نوبة الصرع، فاستغل أحدهم فقدانها للوعي ليتمكن منها، وحملت منه من دون أن تعرف سوى بعد خمسة أشهر".

كانت يسرى تسكن مع والديها وزوجة أبيها التي كان يعيش معها ابنها الشاب من زوجها السابق، وهو من اتهمته يسرى في بادئ الأمر، قبل أن تتراجع وتتهم شيخ منطقتهم. كل ذلك كان مجرد شك، لأنها فعليًا لا تعلم من اعتدى عليها حين كانت فاقدة للوعي. تنقل المحامية عن لسان يسرى أن والدها حاول قتلها بعد أن عرف بحملها، الأمر الذي اضطرها للهرب والاحتماء لدى أحد ضباط جماعة الحوثي. تم تحويلها إلى النيابة في "إب" بتهمة الزنا، ثم إلى السجن المركزي بصنعاء، تروي المهذلي.

حاولت المحامية الحصول على أمر من النيابة للسماح للسجينة بقضاء محكوميتها خارج السجن ريثما تضع مولودها، إلا أن النيابة اشترطت مجيء أحد أهلها لاستلامها، الأمر الذي تعذَّر بسبب إصرار أهلها على نكران صلتهم بابنتهم.

كما أن الشيخ الذي اتهمته، هددها بالقتل إن خرجت. ولكن بدلا من تأمين خروجها من السجن إلى مكان آمن كما طالبت عبر محاميتها، أجبرت يسرى أن تلد في السجن، ثم صدر حكم بإطلاق سراحها بعد أن أقاموا عليها حدّ الجلد (100 جلدة). لكن ما تزال يسرى وطفلتها في السجن بعد عام من قرار الإفراج بحسب محاميتها. "تصاب الطفلة بالمرض كل أسبوع تقريبًا، ونادرًا ما تجد من يعالجها. الأم لا تكف عن البكاء خوفًا على موت رضيعتها بين يديها".

يؤكد عبد الرحمن الزبيب، أن قضية احتجاز الأطفال برفقة أمهاتهم لفترات طويلة يعد جريمة بحق الطفولة، لمجرد أن أمهاتهم سجينات.

ليس شرطًا أن يبقى الطفل مع والدته في السجن، لكن المشكلة بنظر سهى الإرياني، المستشارة الحقوقية لدى منظمة السجين الوطنية بصنعاء، تكمن في امتناع ذوي السجينة عن تولي مسؤولية رعاية الطفل، إذ لا أحد يقبل برعاية أطفال السجينات، مشيرة إلى أنها اطلعت على عديد الحالات المشابهة، تذكر منها أن "إحدى السجينات، كان لديها ابنتان، وبقين معها في السجن نحو ثماني سنوات، ومثلها سجينة أخرى بمحافظة إب، أنجبت طفلة في السجن، وظلت معها حتى أصبحت في سن الثامنة، ثم تكفلت بها (مؤسسة السجينة) وأخرجتها مع طفلةٍ أخرى كانت مع والدتها في نفس السجن".

دُوْر التأهيل حل محدود

في مركز إيواء وتأهيل السجينات بمدينة تعز، تعيش 12 سجينة. يتشاركن الطعام والحجرات، والملابس أحيانًا. ويحاول المركز القيام بدور بديل عن العائلة، في توفير مأوى للسجينات اللائي تخلى عنهن أهلهن، بعد قضاء محكوميتهن، كما هو حال "أمنية" ونظيراتها ممن حالفهن الحظ مرتين: حين نجون من القصف، وحين حصلن على مأوى ينقذهن من قضاء بقية حياتهن بين جدران السجن.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة