لقد ذكرتِ كلمة الجدال حول الختان. توجد هنا في ألمانيا بعض التحفُّظات القوية جدًا على ممارسة اليهود والمسلمين ختان الصبية الصغار. هذه التحفُّظات تصل حتى إلى الاتِّهام بالتشويه الجسدي. فهل تنطبق هنا أيضًا مقولة "نحن في نفس القارب"؟

راشيل دي بور: أتذكَّر محاضرة حول معاداة السامية والعنصرية المعادية للمسلمين أقامتها مؤسَّستا إرنست لودفيغ إرليش وابن سينا للتمويل الدراسي. في هذه المحاضرة قالت امرأة مسلمة إنَّها فكَّرت بأنَّ موضوع الختان سيزداد وزنه أخيرًا في اللحظة التي شاركت فيها الجالية اليهودية في هذا الموضوع، وذلك لأنَّ الجالية اليهودية أصبحت في صفنا الآن، وصوتها مسموع في ألمانيا.

ثم قال شخص يهودي عكس ذلك بالضبط: "نحن اليهود قليلون جدًا في ألمانيا. لن يتم سماعنا إلَّا إذا كنتم أنتم المسلمون معنا لأنَّكم أكثر منا بكثير".

أمَّا فيما يتعلق بالجدال بحدِّ ذاته: فقد وجدت أنَّه من الملفت جدًا للانتباه أنَّ انتقاد الختان في ذلك الوقت بدأ مباشرة بعد الكشف عن الانتهاكات الكثيرة في الكنائس والمدارس. وكأنَّما بات يجب القول فجأة إنَّ اليهود والمسلمين يؤذون أطفالهم أيضًا … لقد كان الأمر شديد الخطورة لدرجة أنَّني كإنسانة يهودية اعتقدت في ذلك الوقت: إذا كان الختان محظورًا في ألمانيا، فلن يَعُود لدينا مستقبل هنا.

 

 

هل يعتبر الختان مهمًا إلى درجة أنَّ حظره يمثِّل مسألة وجودية بالنسبة للجالية اليهودية في ألمانيا؟

راشيل دي بور: نعم، هكذا أرى الحال. وهذا ما سيحدث أيضًا: عندما يُمنع الآباء والأمَّهات اليهود من ختان أبنائهم، فعندئذ سيفقدون أيضًا حرِّية اتِّخاذ قرار معارضته بأنفسهم. أنا أعرف بعض الآباء والأمَّهات اليهود، الذين فكَّروا لفترة طويلة إن كان يجب أَمْ لا يجب عليهم ختان طفلهم. ومع فرض حظر على الختان، لن تعود القرارات الفردية ممكنة.

هذا يعني إذًا أنَّ التقاليد الدينية يتم التشكيك فيها في مجتمعيكما. هل تريا وجود حاجة للإصلاح في مجتمعيكما؟

هاني محسني: يعتبر التوفيق بين التقاليد والحداثة قضية كبيرة بالنسبة للشباب المسلمين. كثيرًا ما يكون لدى آبائنا وأمَّهاتنا خلفية تقليدية جدًا. غير أنَّنا نشأنا هنا وتعرَّفنا على حياة أخرى. ولذلك توجد بطبيعة الحال صراعات. ومع ذلك فأنا لديَّ مشكلة مع مصطلح الإصلاح ضمن السياق الإسلامي.

وذلك لأنَّ آخر إصلاح إسلامي قد مثَّلته الوهابية المُطبَّقة في المملكة العربية السعودية، وهي تيَّارٌ إسلامي يجب تقييمه من وجهة نظر غربية حديثة على أنَّه مُتَخلّفٌ وغير إنساني بصفة خاصة. ومن ناحية أخرى، كانت دائمًا التعدُّدية الداخلية جزءًا من التقاليد الإسلامية. عندما يتم اليوم في الغرب إطلاق دعوات إلى إصلاح الإسلام، فلا بدّ من معرفة ذلك.

راشيل دي بور: توجد في الديانة اليهودية في ألمانيا الكثير من النقاشات الداخلية والتيَّارات. لكن مع الأسف، فإنَّنا نحصل بعد ذلك وبسرعة كبيرة على تصنيف من قِبَل مجتمع الأغلبية: ثم يُعْتَبر البعض "أرثوذكسيين" والآخرون "ليبراليين"، بصرف النظر عن معنى ذلك.

يتم نقل الكثير من الصور النمطية. فكثيرًا جدًا ما نشاهد في صور اليهود رجالًا يرتدون الكيباه أو حتى قبَّعة [المتديِّنين] ومُطْلِقِينَ لحاهم. وهم يحقِّقون الكليشيهات الخاصة بشكل "اليهودي الحقيقي". ومع ذلك فإنَّ الحدود غير واضحة للغاية. فمن الممكن للمرء أن يكون أرثوذكسيًا تمامًا ولكنه منفتح جدًا، أو ممن يُطلَق عليهم اسم يهودي إصلاحي ولكنه ضيِّق الأفق تمامًا.

 

وُلِدَ هاني محسني، البالغ من العمر ثلاثة وعشرين عامًا، لأبوين أفغانيين عام 1996 في مدينة ميونيخ، وهو حاصل على منحة دراسية من مؤسَّسة ابن سينا ​​لتمويل الموهوبين. Foto: privat
وُلِدَ هاني محسني، البالغ من العمر ثلاثة وعشرين عامًا، لأبوين أفغانيين عام 1996 في مدينة ميونيخ، وهو حاصل على منحة دراسية من مؤسَّسة ابن سينا ​​لتمويل الموهوبين. يعمل حاليًا على تخرُّجه بدرجة الماجستير في المنطق وفلسفة العلوم. وهو مسلم مؤمن وقد التقى لأوَّل مرة يهودًا شبابًا في برنامج "آفاق الحوار"، الذي تديره مؤسَّستا إرنست لودفيغ إرليش وابن سينا للتمويل الدراسي. يعمل اليوم من أجل تعزيز اللقاءات بين المجتمعين اليهودي والمسلم: "من أجل الخروج عبر التبادل والحوار من فقاعته الإيديولوجية الخاصة".

 

هاني محسني: كلمة "ليبرالي" هي كلمة ترمز لدى الرأي العام [في ألمانيا] إلى المسلمين الجيِّدين، في حين أنَّ المحافظين هم المسلمون السيِّئون. ولكن في داخل المجتمع المسلم كثيرًا ما يكون ذلك معكوسًا: إذ إنَّ المحافظين يُنظر إليهم على أنَّهم هم الذين يفعلون ما هو صحيح، بينما يُنظر إلى الليبراليين على أنَّهم هم الذين يُمَيِّعُون كلَّ شيء.

هذا يعني أنَّ اليهود الأتقياء المتديِّنين يحصدون الاحترام، بينما يعتبر المسلمون الأتقياء المتديِّنون مشتبهًا فيهم؟

راشيل دي بور: نعم هذا صحيح، حيث يريد الناس [هنا في ألمانيا] وجود يهود نمطيين حقًا، ليتمكَّنوا من القول إنَّ اليهود عادوا يعيشون في ألمانيا مرة أخرى. ومع ذلك لا يوجد هنا يهود أتقياء متديِّنون. فاليهود لا يستطيعون هنا في ألمانيا حتى نحر المواشي بحسب الشريعة اليهودية "كوشر".

هاني محسني: المسلمون يُنظر إليهم [هنا في ألمانيا] أكثر على أنَّهم شيء أجنبي، وذلك بسبب استمرار التمسُّك بصورة "التقليد المسيحي اليهودي".

راشيل دي بور: بالنسبة لي تعتبر صورة "التقليد اليهودي المسيحي" بمثابة الصفعة في الوجه. اليوم يريد "الغرب المسيحي" أن يستند إلى جذوره اليهودية، مع أنَّه كان دائمًا يحارب اليهودية. وعلاوة على ذلك، فإنَّ الهدف من ذلك هو دائمًا معارضة المسلمين. أنا كيهودية لا أريد أن يتم استخدامي من أجل هذا الغرض.

ماذا عن الاستياء في مجتمعيكما تجاه المجتمع الآخر؟

راشيل دي بور: الاستياء موجود وهو موضوع مهم في برنامج الحوار. يتجادل الناس حول ذلك داخل المجتمع اليهودي أيضًا. على سبيل المثال، توجد في سياق النقاش الإسرائيلي ظاهرة خوف من "العرب". ولكننا بطبيعة الحال نناقش هذا الأمر، لأنَّه يتعلق في الواقع بالنظرة النمطية السلبية نفسها مثلما هي حال مع الخوف من "اليهود" أو من "سيطرة اليهود على العالم".

ما الذي يجب تغييره -من وجهة نظريكما- في العلاقة بين اليهود والمسلمين؟

هاني محسني: أوَّل شيء يجب تغييره هو علاقة مجتمع الأغلبية الألماني بمجتمعينا. لقد صرَّحت راشيل بذلك عدة مرات: "يتم استخدام مجموعة لخلق مزاج معادٍ للمجموعة الأخرى. إنَّ تصوير "معاداة السامية المستوردة" في أغلب الأحيان على أنَّها المشكلة الرئيسية -وهذا ليس صحيحًا من الناحية الإحصائية- يجعل الحوار صعبًا للغاية.

ولكنني أتمنى أيضًا أن يوجد المزيد من اللقاءات بين المسلمين واليهود على مستوى أوسع. غالبًا ما تكون هذه اللقاءات فعاليَّات للطلبة أو الأكاديميين. يجب أن تتَّسع اللقاءات أكثر.

 

 
 
حاورتهما: أورسولا روسمان
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.